ما أبلغ الرحيل في زمن الرداءة والردّة

ما أبلغ الرحيل في زمن الرداءة والردّة. كأن يُظهر الضد ضدّه والنقيض نقيضه. لعلّه يصحّ الاعتقاد، على سبيل التبصّر في المآل والمصير، بأنّ للأزمنة الرديئة قدراً متوحشاً يمارس ضرباً من الطغيان لا راد له. الزمن الرديء، وقد تمادى في نثر ظلاله على الفضاء اللبناني، يستعجل قدومه بنفسه. يتحوّل مصيدة «نموذجية» للكبار. اما الصغار وصغارهم، ومن يتفرّع منهم، ومن لفّ لفهم فهذا زمانهم. وهذا مكانهم الذي لم يكن كذلك. وهذا مسرحهم العائم على ملح الخراب والثقافة المدّجنة بتباشير الانزلاق نحو الهاوية. ليتهم ينجرفون الى القاع برفقة قهقهاتهم الهستيرية.

رحم الله العلامة السيد هاني فحص رحمة واسعة فسيحة وارفة اسوة بالرحمة التي اُغدقت عليه وهو لا يزال حيّاً يرزق. لعلّ الله سبحانه منّ عليه، اولاً، بالثانية فأهداه الى الباب الذي ولج منه سليماً معافى من مغبة التماس بالنسيج الذي مسّ الاكثرية الساحقة ممن يصادرون، اليوم، منصات التنظير والتشدق بالثرثرة والاعتكاف الى النفاق المبطن والاسترسال في التفلسف الاجوف.

دخل السيد هاني الى الفضاء اللبناني من بوابة الزمن الآتي. خرج آخرون من ثقوب الزمن الهارب الى الفراغ. بدا لبنان بالنسبة اليه مشروعاً ينبغي ان يشوبه الحلم الكبير. من اجل ذلك، يستدل من وقائعه اقترابه الحثيث من نواة هذا الحلم وهي الانسان المشرع على الاحتكاك المباشر بالتحديات المحتملة. استخدم علمه الفقهي الغزير وثقافته الانسانية الشاملة لمقاربة المسألة اللبنانية بتشعباتها العويصة، على قاعدة التفلت من اغلال اللحظة الراهنة والذهاب الى صورة لبنان المطبوعة على افق المستقبل. لعله كان يبتغي بذلك ان يتملص من الارتباط القسري باللحظة المرهونة للمأزق الثقيل. من هنا، بدا السيد هاني استشرافياً رؤيوياً على صعيد الافساح في المجال امام الجسد اللبناني المتعب ليستنشق هواءً نقياً قد يهب عليه من الزمن الآتي. وقد تجلى اشراقه الاهم في استثمار ثقافته المشرعة على ثقافات الآخرين بغية توظيفها، بحدودها القصوى، في مجال تفكيك عناصر المأزق في الوضع اللبناني. وفي هذا كان سباقاً في سعيه الرؤيوي الى محاولة استنباط منظومة من القواسم المتماسكة تنطوي على شيء كثير من هذا القبيل. من نافل القول انه كان مثقفاً يغرد خارج سربه. والارجح انه كان مثقفاً مهيأ ليستدعي الى سربه أسراباً اخرى.

كان السيد هاني، رحمه الله، متأنياً في قراءة الفكر الديني، متبصراً على هدوء ورجاحة في العقل وتغليب للمنطق، في قراءة اخطر، على الاغلب، تتمثل في مقارباته الحثيثة للتقاطع العميق بين الحياة والدين. اجتهد في مؤلفاته ومحاضراته واحاديثه في تعقب تفاصيل هذه المسألة التي صرف في تمحيصها جل سنواته. وقد منحته هذه الميزة النادرة، فضيلة نادرة، هي ان الانسان، في حد ذاته، هو من يشكل الحركة الداخلية في بنية الدين وبنية الحياة. بدا مقبلاً على التوغل في دقائق النص الديني اقباله على التوغل في بنية الحياة، ثقافة وسياسة ونضالاً وعلاقات وبحثاً دؤوباً عن «نظرية» في الاعتدال لا يحجم عنها احد. وكان كلما أمعن في هذا التوغل بحديه الديني والحياتي، تكشّفت له ضروب من «الحقائق» سرعان ما كان يستودعها كتاباته على اختلافها. لم يخفِ السيد هاني يوماً عشقه للحياة، كما لم يخف تشبثه العميق بالرؤيا التي سكبها الدين في مخيلته المتحولة. كثر لم يترددوا في التساؤل عن الأولوية التي كان السيد هاني يمحضها اهتمامه ووقته وشغله الشاغل. الدين أم الثقافة. الثقافة أم الدين. غدا هذا التساؤل أحياناً وكأن أصحابه يغمزون من قناة التشكيك اللاذع بثقافته وتدينه في آن معاً. لم تهتز له شعرة واحدة جراء هذه التساؤلات المريبة. جاءت ردوده عليها بإقبال متزايد على الحياة والثقافة والدين والتدين. كان يهزأ في السرّ والعلن من هؤلاء الذين أخذتهم ظنونهم الى حيث سقطت أقنعتهم وبانت أقنعة أخرى من تحتها. فرادة السيد هاني، على هذا الصعيد، أنه درج على التقاط الظل في الظل: ظل الدين في الحياة. وظل الحياة في الدين. الظلاّن يتقاطعان في الانسان المرهق بحثاً عن ظلّه الهائم فوق انقاض الحقيقة.

خرج السيد هاني من الباب الذي أطلّ بعينين تطلعان الى ما ينبغي أن تكون عليه الأمور. صحيح أنه كان مجافياً لمصطلح «الحقيقة» باعتبار ان هذه المفردة تستبطن في ذاتها عناداً مستشرياً للذود عن الايديولوجيا الواحدة والعقيدة الواحدة على المستويات كافة. كثيراً ما كان يهزأ من هذه الكلمة «الجوفاء» التي لم تعد تليق، في الألفية الثالثة، بانسانية الانسان.

ومع ذلك، بدا متهافتاً على قراءة الحقائق في أشكالها المتحولة، مكبًّا على الإلمام بأحوالها المتغيرة. وقد اصطبغت كتاباته التي وضعها في السنوات الأخيرة بهذه الصبغة فأصبحت أكثر تأثيراً وشفافية وأبلغ في ايصال المعنى ودلالاته. جافى السيد هاني الحقائق المتحجرة المتكونة من مواد صلبة يصعب تفكيكها. وتقبّل الحقائق التي لا تزعم أنها تقبض وحدها على «الحقيقة». يتجلى ذلك، على نحو واسع، في ما خلّفه السيد هاني، من مؤلفات أدبية، وتحديداً في نقد النثر والشعر. وضع فيها رؤيته المتحولة الى اللغة المتحولة التي يُصنع منها الشعر المتحول والنثر المتحول. على هذا الأساس، عكف السيد هاني على استخدام اللغة بالكيفية التي ينجح من خلالها في إيصال أفكاره، في الدين والحياة والثقافة، على نحو متحول بالمثل. لم يتذرع باللغة وسيلة آلية للتعبير عن أفكاره ومفاهيمه، فحسب. تخطى هذه الاشكالية بعد أن استحوذت اللغة على عقله ومخيلته باعتبارها كائناً يستمد الحياة والموت على حد سواء ممّن يلجأ إليه ليتشبّع به. كان السيد هاني يشبه لغته. كانت لغته تشهبه. توأمان يغالب أحدهما الآخر ليرتقيا معاً في الطريق نحو التقاط الدلالة وظلالها.

لست أحسب أن عيني السيد هاني ستمتنعان عن النظر والتحديق والاستمتاع بالرؤية، كما في الحياة كذلك في الموت.

زرع عينيه في عيوننا. عيناه تريان بأعيننا. والعكس صحيح أيضاً. عينان تبصران، تفكران، تذهبان الى البعيد، تقطعان المسافات بلمحة بصر. ثم تعودان الى نقطة الانطلاق لترتحلا من جديد. السيد هاني في ذمة الله الواسعة. عاش كبيراً. مات كبيراً. كبرنا به. كبر بنا.

آخر تحديث: 26 يوليو، 2017 11:55 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>