لقد خذلتنا يا سيد!

لا يليق بك «الفعل الماضي»، يا سيد، فأنت من المستقبل وفيه.

يصعب علينا ان نقول «وكان السيد هاني»، لأن «السيد» يحضر حيث يحب أو يرغب أو يأتي ليختلف في أي زمان أو مكان.
ثقيل هو حمل الإرث المقدس للأجداد المظلومين. لكن لا بد من ان نعيش حياتنا متخففين من أثقال الماضي ومآسيه. ولا بد أساساً من ان نحمي حاضرنا من تكرار المأساة، مرة أخرى، بالمقلوب. للشهداء الخلود، ولمن أخذه شبق السلطة إلى الظلم والعسف وحمل رأس الحق على الرمح، المغفرة. يستحيل ان نعيش في «المقبرة» إلى الأبد. لا تحاسب الجريمة السياسية بالعواطف، وللصراع على السلطان قواعده: من تأخر أو تردد أو اطمأن إلى بيعة طيارة ليس كمن أمسك بزمام الأمور ومشى إلى العرش مزدهياً، ولو على الجثث.
لقد شغلتك أسئلة القلق: من، ولماذا، وكيف، وما الصحيح؟! في حين ركب غيرك الموجة مرجئين الجواب إلى ما بعد مرحلة التمكين. و«من فوق» يمكنهم ان يرمونا بأسئلتنا فنتعثر بمساءلة أنفسنا: هل كان علينا ان نسبقهم، ولو بقتلهم؟ هل كان علينا ان نمارس الفعل من خارج الشرعية؟! ولكنهم قد ذبحوا الشرعية عند الباب، فلما رأى الناس سيوفهم تقطر دماً قالوا: لنا الله!.. وتركوا لهم السلطة بالسيف، وغرقوا هم في بكاء عابر للقرون!
أيها المعمم بسواد المذبحة تغالب صفاء النية واتساع القلب للخلق جميعاً: كيف تخذل قضيتك وتخذلنا، نحن الذين اتخذنا إماماً، نقرأ عليك خطايانا فتغفر، فإن جادلنا في رأي أو اجتهاد ثرت علينا وساءلتنا: أتزاحموننا حتى على اجتهادي وأنتم كفرة. ثم تستدرك: أعوذ بالله لستم كفرة، ولكنكم أسوأ إذ تخرجون على طاعتي!
أيها الذي قرأ مكتبات النجف وبغداد ودمشق وبيروت وتونس وفاس، حفظ القرآن وتفاسير الأئمة جميعاً، السنة والشيعة والخوارج. ثم قرأ الإنجيل وأدخله في القرآن وأخرجهما كتاباً واحداً… كيف تغادرنا ونحن في دوامة الفتنة: قلّ المؤمنون وكثُر أمراء المؤمنين!
أيها القلِق المقلِق، التعِب المتعب، المتشكك وهو مصدر اليقين: كيف تخذلنا وتتركنا في عراء الشك؟
كنا ننتظرك متلهفين لجلسة نقاش، متوقعين انها ستنتهي بتأنيبنا. ان تحدثنا عن فلسطين فأنت المقاتل الذي منعه المهزومون سلفاً من الانتصار.. يتشددون إذا حانت لحظة تبادل التنازلات، فإذا ما عبرت عرضوا مواقفهم للبيع ولا مشترين.
كنا نجادلك ونتهمك والقائد الذي آمنت بمسيرته بأنكم تذهبون إلى الحرب بثياب السياسيين، فإذا حانت لحظة السياسة أطلقتم عليها النار..
أما أنت فكنت تتهمنا بغرور أطفال السياسة الذين يرون الحرب انتحاراً ويرون السياسة استسلاماً.. فأين المفر؟!
أيها الكاتب، الشاعر، الخطيب، المحدث، القارئ، الناقد، المتشكك، الحائر وهو يوزع اليقين: أين كنت تخفي كل هذه الطاقة وعباءتك ممزقة، وبيتك بارد، والناس يحارون بأي ألقابك يخاطبونك، وهم يخافون ان يسمعوك فيضبطوا مصدقين لك، بينما أنت الموسوم بالخروج على الجماعة؟
مبكراً أنشدت السلاح. ومبكراً أدنت السلاح. وبين السلاحين كدت تذهب بالرصاص الطائش.
لعلك بين الأقلام الأولى التي كتبت في «السفير» وعن «السفير».
ولعلك بين أوائل من اختلف مع «السفير» وهو يكتب في «السفير».
لا «السفير» أنكرته بالعتب، ولا هو غادر «السفير» بالغضب.
كنت تختفي أحياناً ثم تعود لتقول: أين حقي؟! عمودي في «السفير» لا يحتله قلم غير قلمي! لن احرد فأترككم في كل واد تهيمون! أنا «السفير»، وأنتم طارئون عليها. هي لفلسطين، وأنا قبلها. هي للجنوب وأنا قبلها. هي للمقاومة وأنا قبلها. هي للوحدة الوطنية وأنا قبلها. هي أخطأت وتخطئ وقد تنحرف بمسارها وأنا كحرف الألف: مستقيم الرأي حتى لو هزم، مستقيم الخط حتى لو أخطأ الهدف. اطردوا من استقر هانئاً في مكاني. أنا الأصل والباقون «لمامة» من المهزومين. أنا وحدي الهاني.
… ولقد انصرم عصر الشعر، يا سيد! واندثر عصر الثورة، يا سيد! أخرجت الجاهلية قوافل اللائذين بها فجاؤوا ينشرون الغلط بالقتل.
أليست خيانة منك ان تغادرنا بينما طوابير الهمج يبتدعون «أمير المؤمنين» يقاتل الإيمان وأهله في كل دار؟ يستأصل الايزيديين والشبك والكلدان والآشوريين والشيعة والسنة من المسلمين تحت شعار «دولة الإسلام ـ ولا إله إلا الله محمد رسول الله»!
الآن تغادر، يا سيد، ولم نعهدك جباناً، بل عهدناك على الدوام مقاتلاً، بالصح والغلط الذي ترى فيه شجاعة في الفكر أو حلاً لمعضلة مستعصية؟
هل هزمك هذا الدعي بالعمامة المستعارة سوداء، ليدلل على نسب مستعار وأنت أساس النسب الصحيح، داعيته وخطيبه وإمامه، شاعره بدماء الحسين وعزة زينب وشهادة الفتية الغر في المسافة بين الماء والدم المهدور غيلة؟
لم يحن أوان الوداع يا سيد، وقد اشتدت الحاجة إلى الاستنارة، وإلى الوعي، إلى العقل الذي لا يقبل الزور، وإلى الشك الذي يفتح باب اليقين.
هل أخذك الغضب من الخطأ والموغلين فيه برغم البينات القاطعة بالصح؟
هل أتعبك اليأس وأغاظك المنافقون الذين يدعون انهم آمنوا بما تدعو إليه فإذا ما بلغوا واحداً من أبواب السلطة خانوك وتركوك وحيداً تقاتل طواحين الريح وغيلان الغلط، وهم مصفحون بالذهب المنهوب؟!
لقد استبقت عاشوراء، يا سيد، وتركتنا وحيدين في زمن البكاء.
لعلك الآن تضحك منا: لقد كتبت لكم فلم تقرأوا! وقمت فيكم خطيباً فلم تسمعوا! غنيت شعري فصفقتم من دون ان تفهموا، ومن فهم ادعى انه عاجز عن الفعل، خطبت فهززتم رؤوسكم، وبينكم من بكى تأثراً، ثم انصرفتم عني عندما حضر المصورون حتى لا تضبطوا بالجرم المشهود وأنتم طلاب منفعة ووظيفة لا طلاب استشهاد!
من حقك ان تقول وأنت تغادرنا: لقد يئست منكم!
ومن حقنا ان نقول: ولقد خذلتنا أيها الذي نذر نفسه للشهادة فعزت عليه، ونذر نفسه لتصحيح المعوج من أمور الدنيا والدين فاستحال عليه تقويم الاعوجاج، فانطوى داخل عمامته السوداء معلناً الحداد على هذه المرحلة من تاريخنا حيث لا مكان لمتمرد داخل إيمانه، ولثائر في قلب جموع المهزومين، ولداعية الحق في زمن سيادة الغلط!
إلى اللقاء يا سيد… أيها الذي جاء من جبشيت بموكب جياش بالأمل وعاد إليها بموكب جياش بالحزن وافتقاد اليقين.
إلى اللقاء. أيها الأخ الذي لم تلده أمي
ولو ولدت النساء أمثاله لكنا الكثرة.

آخر تحديث: 19 سبتمبر، 2014 8:45 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>