كان متطرفاً… منتحراً بالحياة

بعث لي أحد الأصدقاء رسالة على فايسبوك تقول إن السيد هاني فحص مات. ثم قال الصديق، معزياً نفسه على الأرجح: لم أعرفه شخصياً، ولم اقرأ له، لكنني كنت أعرف أنّه معتدل. هكذا، وضع صديقنا السيد هاني في التابوت الذي يضعه فيه كثيرون، وربما وضع نفسه فيه: الاعتدال. لا تستعجلوا الغضب على ما أقوله، فلست أخالف قاعدة “ذكر محاسن الموتى”، بل أصوبها في معرض المدائح الكثيرة التي يراد لها أن تكون وروداً على قبر السيد، وكلها من فئة الاعتدال إياها.

الاعتدال قبر، والاعتدال ورد، والاعتدال موت. وربما تليق الكلمة بالموت أكثر مما تليق بالميت. الموت عادل في حصدنا جميعاً، صغاراً وكباراً، والموت حق. لكنه أيضاً نهاية، ولأمثال السيد هاني: بداية. كيف؟ كثيرون مثل صديقنا، لا يعرفون عن السيد هاني إلا الاعتدال. ولا يرونه خارج “الصيغة” اللبنانية الكاذبة، التي تصور لنا الشراكة في اجتماع عمامة بصليب، وفي تحاور هاني فحص وجورج خضر وسواهما.

كثيرون يضعون هاني فحص وجورج خضر وسواهما من الموتى والأحياء، في تابوت هذه الصيغة. وموت السيد هاني، المؤلم الصادم، والمبكر أيضأ، يجب أن يكون بمثابة خروج مبكر من ذلك التابوت.

وهذا الخروج، نؤمنه نحن، محبي السيد، بأن لا نساهم في “صندقته” (من صندوق) في “الاعتدال”، ولا في سواها من الصفات المملة التي لا أظنها تشبه هاني فحص ولا تشبه حياته ولا قلمه. لقد كان متطرفاً، مغالياً في الحب، مغالياً في الابتسام، منتحراً بالحياة. كان سياسياً، بكل ما تتطلبه الكلمة من ابتعاد من الاعتدال، بمعنى أنّه كان متطرفاً لرأيه، واضحاً في خياراته، وكان طرفاً. لم يمارس التقية في السياسة. بل كان جهوراً في التعبير عما يريد، طلباً للاصلاح في أمة جده الحسين، كما يرى الاصلاح هو، مختلفاً الى أقصى الحدود مع أحفاد الحسين من أترابه، في “حزب الله” و”حركة

أمل”. كم كنت سعيداً عندما رأيت صورة السيد هاني على لوح اعلاني لـ «ساتشي اند ساتشي» قبل سنوات، وهو يعلن صراحة انتماءه الى فريق 14 آذار. كثيرون عابوا على السيد أن يكون في ذلك الموقع. لكنني كنت من الفرحين لعدم رؤيته في الوسط. واليوم احزن حين أسمع أو اقرأ من يصرون على حشر السيد في الوسط. وأتخيله، في السيرفيس الذي كان يركبه من جبشيت الى بيروت في مراهقته، لا يقبل أن يجلس محشوراً، إلا الى النافذة.

من هناك، في الطرف، يطل على العالم الذي يمر سريعاً. ومن هناك، يكون أول المترجلين المستعجلين من السيارة. لم يمت الاعتدال، حبذا لو يموت، لقد مات هاني فحص.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آخر تحديث: 19 سبتمبر، 2014 12:01 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>