رجل المساحات الواسعة

السيد هاني كان رجل المساحات الواسعة، وهو غطاها كلها. أدرك باكراً سر الرحابة، فأخذ يترجمها عطاء وانفتاحاً وسموا، في نبل الكلمة ورهافتها وصدق ما تحمله من رسائل.
كانت الاشارة الاولى لاصالة ما حمله السيد هاني من رسائل هي عمق التصاقه بالارض. ان حرك أوراقه لانبعثت منها روائح التراب، وكل تلك النبتات المحببة التي كان يعرفها نبتة نبتة، مثلما يعرف الطبائع والوجوه والتوجهات. فتحول من مواطن جنوبي طالب للعلم، مع كثافة التجارب وتنوعها، خبيراً في الانسانية في كل وجه من أوجهها.
العلامة هو اللقب الذي لازمه ويلازمه. ولكن علمه تجاوز الاختصاص الذي يلتصق عادة بأصحاب تلك الصفة. ما ان يطل بقامته المديدة مجلبباً بالوقار والود والعلم والظرف والتواضع، حتى تشعر بأنك ستمضي هنيهات من الحبور العالي، وهو ما كان يشيعه في أي مجلس من مجالسه، في المؤتمرات وحلقات الدراسات العلمية والحوارية في عواصم المنطقة كلها واللقاءات الدولية، الى المنابر في المساجد والاديرة، الى الكتب والمقالات التي كان ينتظرها المعجبون برشاقة كلماته، وباسلوبه الذي كان يقارب الشعر، والذي بلغ تواضعه حد قوله في آخر كتبه أنه يقترض الشعر ولا يقرضه.
هل كان السيد هاني فحص وليد التجربة اللبنانية وحدها، بكل ما انطوت عليه من ثراء وانفتاح وعطاء واعتدال وحكمة وتقبل الآخر واحترامه، أم أنها شملت كل تجارب الآخرين، بما في المحيط وما هو أبعد منه؟ من هنا يبدو غيابه بحجم الفراغ الذي يتركه. اذ لم يقدر للكثيرين ان يحظوا بهذه التجربة، وان يتركوا هذا الارث الانساني والفكري.
ولكن لبنان كان هاجسه المستمر. لكثرة ما عرف وسمع وقرأ وشاهد، في تجوالاته الاقليمية والدولية، وجد أن هذا الوطن الصغير، الذي اهتدى اليه في البدء من جنوبه، هو النموذج الذي يجب أن يسود فاقترب من الجميع فيه، واقترب الجميع منه. في صدق العلاقة ونبلها، في الايمان المخلص بكيفية صون هذا الوطن، بالاعتدال والتفهم والاحترام المتبادل وابعاد العنف منه. وكلما كانت الاخطار تتهدد، كان ايمانه يزداد رسوخاً، وصدى كلماته اتساعاً.
في آخر زيارة لي له الى المستشفى، قبل أن يدخل في الغيبوبة، دخلت غرفته فوجدته يكتب بالرغم من وسائل التنفس التي كانت موصولة به، فسألته ماذا تكتب يا سيد، فقال بأسلوبه المحبب الذي لم يفارقه حتى آخر لحظة “اني أكتب الرقيم البطريركي”، وهو اشارة الى الرثاء الذي يكرم به البطريرك الماروني عادة المتوفين.
انه اكثر من رقيم يا سيد، انها زفرة في قلوب الذين عرفوك وأحبوك وخصوا لك المكان الارحب في قلوبهم، على قدر ما اتسع قلبك للجميع، لأن ارثك يتجاوز المكتوب الى الراسخ في الضمائر.

 

آخر تحديث: 13 يونيو، 2017 1:47 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>