حين سألتُ هاني فحص بوقاحة «من فوق»: إنتَ بِتصَلّي؟

انّه في سياق حديث دار بيني وبينه، حين كنتُ أرى كلّ آخر "من فوق" وأعتبره في غور وادٍ سحيقٍ من العتمة والضلال، أتى على ذكر الديمقراطية من دون ان يلعنها ولا حتى الإشارة إليها كونها رجس من عمل الشيطان، ما حملني وقتها، ومن خلفية "دينية"، إلى أن أتوجّه اليه مقاطعا و"بالوقاحة الجهادية" بالسؤال: "سيّد إنتَ بَتصَلّي"؟

كانت قد جمعتنا الصدفة عند صديق له هو قريبي، وحدث ذلك في منتصف الثمانينيّات من القرن الماضي، كنت لم ازل حينها يافعا تغلبني الحماسة والكثير من الطيش. لكنّني، انا الخارج من معتقل انصار حيث كنت مسجونا لاكثر من عام لدى العدو الصهيوني، مستكملا مسيرتي النضالية في صفوف المقاومة الإسلامية، كنت لا اشكّ لحظة واحدة انني ممسك تماما بناصية الحقيقة، وانني بلا شك ولا ريب واحد من الذين سيستعين بهم الامام المهدي عند خروجه، هذا ان لم اقل انني على يقين بأنّ الإمام سيستشيرهم قبل ان يخطو بأيّ خطوة في مسيرته المنتظرة.

كيف لا؟

أليس الهدف الأسمى عند الإمام هو بناء الدولة الإسلامية، القائمة على أسس الشريعة واعمدتها الأساسية، في قطع يد السارق، جلد الزاني، فرض الحجاب على النسوة “السافرات الفاسقات”، ولا ننسى هنا أيضا أخذ الجزية من النصارى (اهل الكتاب) وهم صاغرين. زد على ذلك منع كل اشكال اللهو والفسوق (المسمى زورا بـ”الفن”).

لكنّه، أيّ الإمام، وإن كان معصوما إلّا أنه خائف غائب، بينما انا الحاضر الممارس لواجباته والمتمرس.
وانا هنالك، في ذاك المكان، على قمة هذه المفاهيم “الإلهية”، كنت أتطلع الى الآخر، أيّاً كان هذا الآخر، من هذا الـ”فوق”، فأراه، ان استطعت الى ذلك سبيلا، جاثما في قعر الوادي السحيق من العتمة والضلال. حينها جمعتني الصدفة إلى السيد هاني فحص، وراح يصول ويجول في “مغالطاته”، فيتحدث عن “ايران الإسلام” مثلا، وكأن قادتها من صنف البشرالعاديين يصيبون ويخطئون! ويخوض في بالسياسة التي هي “عين ديانتنا” والتي يحرّك ادقّ تفاصيلها الامام المعصوم عبر نائبه المعصوم أيضا (اكتسابا) بخلفية انّ لرأيه او لرأي امثاله من الناس مدخلية في صياغته!

والأخطر من هذا وذاك انه اتى على ذكر بعض المفاهيم والقيم، مطلقا عليها صفة “إنسانية” وراح يحدثني عن “الوطن” من دون الرجوع الى آية قرانية او حديث نبوي! فكان كلما استفاض هو بحديثه، اشعر كم كان يزداد عنّي بعدا وغورا، الى ان كانت الطامة الكبرى التي اثارت امتعاضي حينها عندما تجرأ على الإفصاح امامي بما هو اقرب الى (الكفر)، معتبرا ان “المجتمع البشري يمكن له ان ينتج بنفسه عدالة إنسانية وسلطة عادلة لا دخالة فيها للدين او للتراث الديني”!

والأدهى انّه في سياق حديثه أتى على ذكر الديمقراطية من دون ان يلعنها ولا حتى الإشارة إليها كونها رجس من عمل الشيطان (وهذا اضعف الايمان)! ما حملني وقتها، ومن خلفية “دينية”، إلى أن أتوجّه اليه مقاطعا و”بالوقاحة الجهادية” بالسؤال: “سيّد إنتَ بَتصَلّي”؟

فما كان من هذا الكبير الا ان تبسم ضاحكا، والرزية كل الرزية انه لم يكمل حديثه معي، الا بعد حين…

الآن استحضر هذه الحادثة، “ومولانا” في ذمة الله، وصرت اعلم كم كان هو اقرب اليه، في حين كنت انا أعيش في بحر من الوهم المعرفي. وأعرف أنّ الشمعة التي كنت احملها بسرور في غرفتي المغلقة المظلمة، هي لا شيء امام الشمس التي كان يريدني أن أراها خارج الجدران.

اشكر الله أنّني اعتذرت منه في حياته على تجرّؤي عليه بجهلي، واعلم أنّ كثيرين هم لا يزالون على ما كنت انا عليه، وأنّه سيأتي اليوم الذي يعتذرون منه أيضًا.

آخر تحديث: 24 سبتمبر، 2014 10:43 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>