السيّد محمد حسن الأمين يكتب صديقه هاني فحص

كان السيّد هاني فحص يلحّ في الفترة الأخيرة على صديقه السيّد محمد حسن الأمين لكتابة وثيقة سياسية ودينية وفكرية حول الوضع في لبنان والوطن العربي والوضع الشيعي أيضاً. وكان يقول له: سنكتبها في تشرين ويجب أن نعجّل بها. غيّب الموت السيّد هاني قبل أن يكمل عطاءاته، غيّبه وهو في قمة الرغبة للعطاء. ويتذكّر هنا السيّد الأمين صديقه في كلمات وعفوية.

(كان السيّد هاني فحص يلحّ في الفترة الأخيرة على صديقه السيّد محمد حسن الأمين لكتابة وثيقة سياسية ودينية وفكرية حول الوضع في لبنان والوطن العربي والوضع الشيعي أيضاً. وكان يقول له: سنكتبها في تشرين ويجب أن نعجّل بها. غيّب الموت السيّد هاني قبل أن يكمل عطاءاته، غيّبه وهو في قمة الرغبة للعطاء. ويتذكّر هنا السيّد الأمين صديقه في كلمات وعفوية).

السيد هاني خسارة كرجل دين ومثقف في نفس الوقت، قد يكون من الصعب في اللحظة المباشرة للغاية أن تفيه حقه من التعرف على فكره ورؤيته سواء في المجال الفكري الإسلامي أو الفكر السياسي، أو النص الأدبي أو على صعيد شخصيته الناقدة الّتي تلازمت مع نصوصه المختلفة.

ولكن الأهم في الحديث المبكر عن السيد هاني، هو الفراغ الذي سيخلّفه في مجال الفكر الديني المستنير، وهذه الإستنارة لا تعني الإستنارة الشائعة التي ظهرت في مراحل مختلفة من تاريخنا الإسلامي الحديث وخاصة في عصر النهضة، فرغم الإستيعاب المتقن من قبله لأفكار عصر النهضة، إلّا أنّ نصّه الإسلامي يطمح إلى تجاوز ذلك وإلى البحث والتّطلع نحو ركائز حديثة لنهضة جديدة تشكل استمراراً وانقطاعاً في الوقت نفسه عن التراث النهضوي عند التنويريين السابقين.

وساعده على ذلك إحاطة وإلهام بعيدي المدى في ثقافة العصر وأدبياته على النحو الذي جعلنا نرى في نصّه سمات مميّزة وطموحة، وتتجه نحو التّفاعل والإبداع في مجال الفكر الديني وقد تمكّن من استيعاب الشراكة الجوهرية والعميقة بين الأديان السماوية. تجلى ذلك في نصوصه من جهة، وفي اقتحامه ميدان الإقتراب والتماهي مع أتباع الأديان الأخرى ولاسيما المسيحية منها، وقد كان عنصراً فاعلاً ونشيطاً في مؤسسات التقارب الإسلامي المسيحي.

كما أنّني لا أرى في نشاطه الفكري والأدبي رحمه الله هذه النزعة فحسب، أي نزعة التّجدّد والتنوير، بل أجد فيها، وهذا مهم جداً، شخصية الأديب الذي استطاع أن ينجز لغة أدبيّة خاصة، موغلة في الحداثة والخصوصية قادرة على اكتناه معطيات التراث الأدبي الحيّة والخالدة.

فيه تجتمع شخصية الأديب والمفكر، والمسلم المؤمن المتطلع إلى تكوين رؤية حديثة وفهم متجاوز للسائد في قراءته للنص الديني الأصلي. ووراء ذلك كله تكمن شخصة محببة ودمثة وساخرة ونقديّة. كانت السخرية أحياناً إحدى ميزاتها العميقة التي أعطت حضوراً مميّزاً لشخصيته ككاتب ومفكّر وكقارئ ممتاز للتراث وللحداثة في آن.

لم يكن ذلك كلّه بمعزل عن خوضه العميق في الشأن السياسي الذي شكّل القضية الفلسطينية محوره الرئيسي منذ الصبا وحتى آخر أيام حياته التي اتسمت بالكثير من النّضج والتّطوّر، كما لو أنّه كان يسير باتجاه شباب وفتوّة متجدّدين بينما عمره يمضي نحو الكهولة والشيخوخة، بحيث جاء وقع افتقاده صاعقاً ومؤلماً ومشعراً بخسارة طاقة استثنائيّة لا يسهل نسيانها وتجاوزها، بل تتطلّب لدى المعنيين من النّخب عودة دائمة إلى النّصوص والكتابات التي خلّفها لمحاولة اكتشاف الإمكانات الغنيّة المساعدة على وضع أسس جديدة تساهم في انبثاق توجهات نهضوية جديدة على صعيد الفكر العربي والإسلامي.

آخر تحديث: 24 سبتمبر، 2014 10:18 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>