السيّد.. النجفيّ المتحرّر

من أين نبدأ في الحديث عن الراحل الكبير العلامة السيّد هاني فحص؟

هل نتحدث عن رجل الدين الإيماني البعيد عن المذهبية، المنفتح على الجميع، الداعية الدائم للحوار بين الأديان، وأبرز المنظرين لمقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة، الذي جمع بين تراث النجف وثقافة الحرية والتحرّر.

هل نستذكر تاريخ نضاله السياسي، والذي حوّل عِمّته السوداء، إلى راية عالية من رايات حركات المقاومة والجهاد.. عندما انضم، في مطلع شبابه، إلى حركة «فتح» الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، أم نتوقف عند نشاطه المميز في المجتمع المدني، والذي كرّس من خلاله انفتاحه على الآخر، واعتماده الحوار نهجاً، وتمسكه بآفاق الفكر الإنساني، بعيداً عن الانغلاق والتعصّب والتمذهب؟

هاني فحص، كان بشجاعته وسعة أفقه، وبحكمته ونضوج فكره، كان واحداً من رموز الكفاح المستمر من أجل الحرية والحداثة والتطوّر، بالقدر الذي كان فيه عَلماً في مسيرات الثورات وحركات التحرّر على مدى عقود من الزمن.

انضمامه إلى الثورة الفلسطينية، وعلاقته المميزة مع قيادة «فتح»، وخاصة ياسر عرفات وخليل الوزير، لم تمنعه من انتقاد انحراف الثورة عن مسارها النضالي الحقيقي، عندما انزلقت الفصائل الفلسطينية إلى مهاوي الحرب اللبنانية.

حماسه للثورة الإيرانية، وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، لم يَحولا دون مناهضته سياسات الملالي، في تصدير الثورة، وإثارة النعرات المذهبية مع الجوار العربي.

رافق أبو عمار في أوّل رحلة له إلى طهران الخميني، ليساعد على إقامة أطيب العلاقات بين الثورتين اللتين غيّرتا مسار التاريخ في الإقليم، ولكن آماله اصطدمت بحسابات الواقع البعيدة عن الشعارات والآمال والأماني.

تأييده للمقاومة الإسلامية في لبنان، لم يُسكت صوت الحق في انتقاده «استخدام السلاح لفرض الوصاية على الإخوة، أو لسلب الشركاء حرياتهم وخياراتهم، أو حتى للاستقواء على البعض، واستتباع البعض الآخر».

لم يهب التهديدات، ولم تُفلح التفجيرات في ثنيه عن قول الحقيقة، أو التراجع عن مواقفه الجريئة.

بقي حتى اللحظة الأخيرة يؤمن بأن الحوار، لا السلاح، هو السبيل لحل الخلافات بين الشركاء في الوطن والمصير، وبأن الحرية هي فعل إيمان بالوجود الإلهي الذي كرّم الإنسان بعقله وفكره وبصيرته، وبأن الإخوّة بين بني البشر يجب أن تبقى الحقيقة الساطعة، والعابرة للطوائف والإثنيات بعيداً عن الحروب والأطماع والصراعات.

يا سيّد النضال والاعتدال،

أيها النجفيّ المتحرّر والداعية الدائم للحوار،

ننحني اليوم إجلالاً واحتراماً لمسيرتك الحافلة بالعطاء والتضحيات، على أمل أن نكون على مستوى الحفاظ على نهجك وانفتاحك وتواضعك في خدمة الوطن، ورفع راية الإيمان عالياً.

آخر تحديث: 19 سبتمبر، 2014 11:22 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>