هاني فحص: الرجل الواسع.. في الزمن الضيّق

الزيارة إلى منزل السيّد هاني فحص متعة بحدّ ذاتها. أن تجلس لساعتين مع هذا الرجل، المليء بالحكايات، يشبه الجلوس في حضرة ساحر. فرجل الدين الشيعي هذا، الذي كان من أوائل الداعمين للثورة الخمينية في إيران، وصار أشدّ معارضي توجّهات الجمهورية الإيرانية اليوم، يُخرج من أكمام عباءته روايات وأفكاراً وآراء فاتنة. كلّ جملة يقولها تحسبها مقيمة وتخاف أن تغادرك. لا توجد بين كلماته جُمَلٌ عابرة، كما لو أنّه يزين جُمَلـَه بميزان جوهرجيّ. حتّى حين يتسلّل إلى النكتة والبسمة، تحسبه يفتل الضحكة على وجهه مثل شارب، ولا يلقيها إلا محمّلة بالحكمة. سألته عن صداقته بزعماء رحلوا عن الحكم، موتا أو استقالة، وعن سرّ هذه الصداقات، فأجاب: “إمدحه ولا تحبّه”، وضحك. هكذا هم من في السلطة، يحبّون المديح ولا يحبّون النقد. “النقد إذا عدوّ السلطة؟”، سألته، فأجاب: “نشرت كتابا عن الديمقراطية والإسلام، وكان الإهداء: اللهم أبعدني عن السلطة لأظلّ ديمقراطيا”. وتابع السيّد فحص: “السلطة تُنقِص الديمقراطية في أيّ شخص، إذا لم تُزِلْها كليّا”. ربما يكون أكثر مَن صادق رؤساء استقالوا، وهو فخور بهم أكثر من فخره بمن لا يزالون في السلطة: “سوار الذهب هذا هو رئيس السودان، الذي استقال كما وعد”، يقول بافتخار، ويضيف: “لا يوجد زعماء عرب يستقيلون”.
3 جلسات لاختيار 29 صورة تختصر جزءا من حياة السيّد الصاخبة. فهو عاشر الرؤساء والملوك والقيادات، العربية والأجنبية، منذ أكثر من نصف قرن. هي رحلة يأخذنا إليها فحص من فلسطين الشرفة والأمل إلى إيران الثورة ثم الخيبة، ووعد العراق الصعب، وتونس التي هَرِمَت قبل أن تثور، وروما الحيوية، وأزهر التقريب، وأوروبا الحوار والمودّة مع الأئمّة محمد حسين فضل الله ومحمد مهدي شمس الدين. والمختارة الإشكالية وغيرها من البلاد والشخصيات التي بنى معها صداقات جعلته واحدا من أبرز “المثقفين” العرب. هو الشيخ العلمانيّ. البعيد عن المذهبية في زمن استعار الهويّات الضيّقة. هو الرجل الواسع في أوقات تضيق بالعرب والمسلمين. وهو الصديق الذي يزداد فتوّة كلما تقدّم جسده في العمر. وهو الكاتب الذي يحفر جبل الخلافات بإبرة الوعي، منذ أكثر من خمسين أزمة وعاماً.

آخر تحديث: 18 سبتمبر، 2014 12:49 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>