السيد هاني فحص … ممثل الله في الجنوب

في العام 1992 وفي سياق جولة انتخابية له، سأل أحد المشايخ العامليين السيّد هاني فحص عن مشروعية الدخول لمجلس النواب الذي قد يضع تشريعات في قبال شرع الله! فاستحضر السيد سحر البيان لديه مجيبا: وهل سمعتني أستجدي الدين لدخول البرلمان؟

بلكنته الجنوبية البعيدة عن التكلّف، وسمرة وجنتيه الموروثة من مرارة أرض التبغ، ونظّارته التي تعكس مدى اتّساع الرؤية لديه، أبى السيد هاني فحص إلّا الابتسام لضيوفه الذين أتوه قبيل المغيب طالبين وساطته في قضية اعتقال شاب من قِبل بعض الأحزاب في أواخر الثمانينات بتهمة أمنية سياسية.
ورغم تهيّب الموقف، أرسى الرجل شعورا عند ذوي الشاب بقدرته على اختراق الحُجب، فبعد منتصف الليل بقليل أرسل الى العائلة طالبا منها موافاته الى بلدته جبشيت حالا، ليتفاجأ الجميع بأنّ الشاب أصبح في عهدة السيد الذي نصحه بمغادرة الجنوب حتى يأذن الله في أمره.
هي قدرته على مقابلة الأوتار المتنافرة والعزف عليها لاستجداء ألحان الحياة في زمن اليأس والمرارة. وحُسنُ الرجل كما يقول أحد عارفيه أنه يُقدّم لك من تجاربه عصارة ممزوجة بما له وما عليه من خلال إتقانه لثواني اللغة وإبداعاتها.
يغزل من خيوط اللغة بساطا كشميريا مستخدما الألوان الزاهية والنقوش الكاشانية، فإذا ما أراد توصيف نكسة أو خيبة في تجربته تراه يزخرفها بجميل حبكه وبديع حياكته.
هي اللغة التي أجادها وسرعة البديهة التي جُبل عليها، فإنْ ألجأته الحاجة يوما وظنّ جلساؤه أنهم حشروه، استجار بها فتجيره وتُحيل السائل إلى متاهات الحيرة والتيه…
في العام 1992 وفي سياق جولة انتخابية له، سأله أحد المشايخ العامليين عن مشروعية الدخول لمجلس النواب الذي قد يضع تشريعات في قبال شرع الله! فاستحضر السيد سحر البيان لديه مجيبا: “وهل سمعتني أستجدي الدين لدخول البرلمان؟ إنها وظيفة سياسية فلنقاربها بالسياسة”. ثم خرج الشيخ فرحا بالإجابة ليروي القصة ويقول: “السيد هاني بس بدو بيكون رجل سياسي وبس بدو بيكون رجل دين … والله عال”.
وفي مناسبة إجتماعية مهمّة في الجنوب، جاء السيد معزّيا ثم جلس في المقدمة، وما هي إلا برهة وإذا بأحد الوجهاء يهرع إليه بأدب طالبا منه إفساح المجال أمام الضيف الجديد القادم: “ومَن الضيف الأستاذ؟”، سأل، فقيل له: “ممثّل رئيس الجمهورية جاء معزّيًا أيضًا”. فتبسّم قائلا: “أنا ممثّل الله هنا، مَن تقدّمون في الصدارة ممثّل الله أم ممثّل رئيس الجمهورية؟”.
هكذا ينتقل السيد أبو حسن بين السياسة والدين، تاركا خلفة خيوطا متشابكة لتكون جسر عبور بين ضفتي القلق والأمل.

واليوم فلقد ثَقُل الجسر بالعابرين فربض على صدر صاحبه فأقعده.
شافاه الله وعافاه.

آخر تحديث: 19 سبتمبر، 2014 10:38 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>