سيد التبغ والزيتون والزعفران هاني فحص‏

عاش عاصم ترحيني في كنف جده السيد هاني، هو ابن ابنته باديه، بل هو ابنه المدلل، وقد تعودنا نحن ضيوف العائلة الدائمين، ان نرى عاصم ونسمعه يسأل جده في كل مسألة عامة كانت أم خاصة، رافعا الكلفة بين الجدّ والحفيد، داخلا قلبه الطيب كما دخلناه نحن على طمع ان نقتبس ونحفظ شيئا من أدبه الفكه، من لغته الرشيقة، ومن علمه بتاريخنا الذي ما عرفناه الا من خلال صوته الدافىء الرخيم.

(عاش عاصم ترحيني في كنف جده السيد هاني، هو ابن ابنته باديه، بل هو ابنه المدلل، وقد تعودنا نحن ضيوف العائلة الدائمين، ان نرى عاصم ونسمعه يسأل جده في كل مسألة عامة كانت أم خاصة، رافعا الكلفة بين الجدّ والحفيد، داخلا قلبه الطيب كما دخلناه نحن على طمع ان نقتبس ونحفظ شيئا من أدبه الفكه، من لغته الرشيقة، ومن علمه بتاريخنا الذي ما عرفناه الا من خلال صوته الدافىء الرخيم.)

هو الذي أحب الحياة بكل تفاصيلها، لم يكل أو يمل من القراءة والكتابة. يفاخر بسهره لأيام متتالية على مكتبه وبين كتبه، يتنقل بين مقال أو بحث أو خطاب.

أمضى عمراً مصراً على الإختلاف دون الخلاف، رجل دين دون أن ينسى دنياه، متدينا لا يتناقض فهمه للدين مع إيمانه بالمواطنة والدولة والقانون والحرية والمساواة. ينقل أوراقه وملفاته وكتبه حريصا على عرضها أمام الأعين والعقول والقلوب كطفل سعيد بهدية العيد، يلغي، يصحح، يمزق ثم يكتب، ثم يندم، ثم يكتب ويغفو على الأريكة من شدة الإرهاق.

يعرّفه الجميع بالكاتب والمؤلف، لكنه بعيداً عن المشهد العام هو الأب الحنون، تفاصيل حياتي اليومية همه الأساسي، يوصيني أن لا أطيل السهر، أن لا أكثر من الملح في طعامي، وما زال حتى اليوم يصر على إنكار أنني مدخن، وينهرني كلما سعلت ويأمرني بزيارة الطبيب.

في خلواتنا التي كنا نعقدها كثيرا على الشرفة التي حولها إلى فضاء واسع من حبر وورق، لأساعده على التجوّل في رحابة العالم الافتراضي، يطلب مني أن أعد له فنجان شاي نجفياً داكناً، وصحنا فيه الكثير من قطع البندورة الجبلية وزيت الزيتون وحبات من التمر، ثم يبدأ بقراءة ما كتبه لهذا اليوم، و يطلب رأيي فيه، لكنه غالبا لا يأخذ به، ممازحا “إنت إسمع بس”.

ننهي نقاشنا متناقضين على رضا ومحبة كما في كل مرة، ثم يسألني عن أحوالي، ويلح علي بأسئلة المعرفة عن الثورة والدولة والسلطة والتسلط، دون أن ينتظر مني إجابات. ويطمئن إلى أنني لم أنجرف مع التيارات الصاخبة، ويسعد كثيرا حين أخبره أنني أفضل الضفاف الثابتة على المياه الجارفة. يحدثني عن النجف وطهران وفلسطين وفتح وحلمه بلبنان المتعدد الطوائف بلا طائفية، الثري بتنوعه الفقير بنوعييه. يغريني بالتدين، بالإيمان اللطيف، بممارسة طقوسي الدينية من منطلق الاستجمام الروحاني وليس الواجب، ويسألني عن صلاتي، ويعاتبني كيف يمكنني أن أتخلى عن روعة هذه العلاقة الحميمة مع الله، أناور وأتنصل كالعادة، ونتفق أن أحاول ثم أنكث الوعد، ويعرف أنني نكثته ولا يعاتبني!

هو الذي ظل مصرا على واجب حفظ صلة الرحم، أن أسامح أبي على تنكره لبنوتي، وظللت مصرا على إجابته بكل حزم “الأبوة قيمة مكتسبة وليست بيولوجية، أنت هو أبي”. يتململ ويغضب ويتناسى طلبه، ثم يقفز بذاكرته إلى أبيه، ويستحضر أيام الطفولة معه في جبشيت بين مشاتل التبغ وبيادر القمح والعين وساحة القرية، وأيام مراهقته الأولى في االنبطية بين المدرسة التكميلية ومكتبة القسيس حيث تعرف هناك إلى المتنبي والسوق والفوالين والقهوجية والحلاقين، تدمع عيناه عند احتشاد تفاصيل تلك الأيام، وحجم الشقاء والمعاناة التي كانت مصاحبة للعلم والمعرفة والتثاقف.

ينساب بمرونة فراشة بين الفصول ومواسم الزرع والأزهار وألوان التراب، ساعة يحين موعد الجولة في القرية، يشرف على إعداد زوادة رحلتنا: رمان وتين وبندورة وبصل أخضر ونعناع ووجبة من الكمونة أعدتها جدتي. يشبك يداه خلف ظهره ويمضي، ليس كماض يمضي، بل كحاضر كامل الحضور كمستقبل بعيد، مجهول لكنه مرتجى. أطارد ظله على الطريق، وأقلد مشيته ونبرة صوته حين يلقي السلام على العابرين والجالسين ويسألهم عن أحوالهم وأعمالهم. أردد خلفه آيات من القرآن الكريم وشعرا للمتنبي والصافي النجفي والجواهري حذراً من أي خطأ في التحريك، أما الإمتحان الأصعب فكان الإعراب. أتمسك بطرف عباءته وأقول له: “أتعبتني الطريق يا جدي”. فيجيبني”تجلد…تماسك…يوماً ما ستحملني”.

تدهشني ذاكرته اليقظة. فهي عكس كل ما يروى عن ذاكرات الأجداد، لم ينل من توقدها العمر ولا الزمن، يحفظ أدق تفاصيل الضيعة، وشجرة كل عائلة فيها وألقابها ونهفاتها. يحفظ الضيعة ويحتفظ بها في قلبه كما كانت قبل أن تغزوها المدنية الزائفة والباطون والإسفلت، بأزقتها وبيوتها الضيقة ذات الأبواب الواسعة وأهلها بقلوبهم الأوسع وصدورهم الرحبة وترحابهم به عند كل زيارة.

نزور كل العجائز والمرضى، نطمئن على أحوالهم، يقبل أيديهم ويمضي مع إبتسامة وحسرة. نمر على جبانة الضيعة يقرأ الفاتحة على قبور من فقد من أقاربه واحبابه وأصحابه، فلا يكاد يستشني منها قبرا، ينظف شاهدة قبر أبيه “ابو هاني” يبكي، يعاتبه، يودعه ويودعهم ويمضي، تلك أحجية أخرى لم أفهمها يا جدي! كيف تودع الأموات كما الأحياء، هل هم أحياء في قلبك أم أننا كلنا أموات؟

على هضبة قرب معصرة الضيعة نجلس بعد تعب طويل، نغني أم كلثوم وعبد الوهاب، وينفرد وحده بترديد المواويل العراقية الحزينة وبعض الغزل العامي، ثم يدير المذياع ليستمع إلى نشرة الأخبار على راديو مونتي كارلو.

ندشر في البراري، نتسابق على جمع الزعتر البري الذي له طريقة خاصة في قطفه، نغزو حقل فول لأحد اقاربنا، نأكل القليل ولا نحمله منه إلى البيت التزاما بالوصية الشرعية، نقتلع بعض أعواد الشومر وأصبع زينب، نجمع الدحنون والسكوكع والوزال في باقة يقدمها لجدتي بعد عودتنا.

كثيرة هي التفاصيل التي تحضرني حين أختلي بك إلى قلبي، سنكتبها معا غداً، كل الحب والشوق لك يا حبيبي وصديقي وزادي وأبي هاني فحص. أتمنى لك الشفاء العاجل يا سيد التبغ والزيتون والزعفران.

آخر تحديث: 25 سبتمبر، 2014 12:49 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>