هاني فحص: هكذا كما يحبّ.. بلا تكلّف ولا أثقال

"هاني فحص"، هكذا كما يحبّ ان يوقّع في آخر النص او في اوّله، بلا تكلّف وبلا أثقال... علّمتنا انّ الصلاة لا تُقبَل من الله ان لم تكن مرفوعة اليه بالحبَ لا بالخوف او الحقد. أحتاج الى كلمة من حبّ ورضى تعينني من عثرات. ايّها الجميل ننتظرك على موعد الحبّ، ينتظرك القلم وتشتاقك الكلمات، فلا تثقل عليهم بالغياب.

“هاني فحص”، هكذا كما يحبّ ان يوقّع في آخر النص او في اوّله، بلا تكلّف وبلا أثقال. الاسم كافٍ لا يحتاج الى تقديم بـ”سيّد” او “علاّمة” او “آية الله” او “إمام” او “حجّة الاسلام” او “سماحة” او….
الاسم اكبر من كل هذه الالقاب التي طالما كان انتشارها والاعتداد بها والتمسك بحروفها مؤشراً سلبياً على حال فئة من “الصنف” ومريديهم، ولا نزيد…
أحبّه ويحبّني أكثر، ويستطرد كعادته… في الحبّ، في الشعر، من صلاح عبد الصبور الى عمته في جبشيت، والى الشيخ علي الزين الى محمد رضا المظفر وعلي الوردي ومحمد باقر الصدر، وكارل ماركس الذي عثر عليه في أزقّة النجف، ثم يتلو على مسامعي باللغة الفارسية التي لا افهمها أبياتا من شعر حافظ شيرازي تصل الى القلب بصوته الطالع من منابع العشق.
فلاح يحرث الارض، وفي المعاني يحرث اللغة بسكّة العقل ويسقيها من ماء القلب.
السيد هاني او ابو حسن كما يحبّ اقرانه ان ينادونه، عاشق لا يملّ ولا يتعب، يقرأ ويقرأ كتابا خلف كتاب، وبالعشق نفسه يخرج ليقرأ في وجوه الناس وفي عقولهم. لا اعرف رجلا يعرف كل الناس كما السيد هاني. لا اعرف رجلا يعرف لبنان واللبنانيين كالسيد هاني. ولا اعرف رجلا يعرف الفلسطينيين من مخيم عين الحلوة الى حي الفاكهاني والقدس وحيفا ورام الله وحيّ الشجاعية الى ياسر عرفات وبلال الاوسط وعكا واميل حبيبي وفيصل الحسيني كالسيد هاني. لم التقِ برجل حدثني عن بغداد وطهران والقاهرة والخرطوم ودمشق وجلال الدين الرومي ومحسن الامين والبطريرك خريش والمطران كبوجي والبابا يوحنا بولس الثاني وابو جهاد والخميني كالسيد هاني.
قلتُ: يقرأ في وجوه الناس وعقولها وكتبها، ويقرأ ويقرأ، لا احسب ان احدا يعرف اللبنانيين كالسيد هاني، ليس من قرية او مدينة او حي لبناني لم يزره. اشهد انه يعرف مدينة طرابلس اكثر من معظم ابنائها، وقادر على ان يحدثك عن بكركي والمسيحية والبطاركة بإحاطة يحسده عليها رجالاتها. لعلّه من بين قلّة من اللبنانيين، ان لم يكن الوحيد واجزم انه الوحيد، الذي يمتلك خبرة لبنانية تجعله قادرا على ان يعرف اكثر من الدروز عن درزيتهم والمسيحيين عن مسيحيتهم، بحديث القادر على التقاط النفس والمعجب بلا مسايرة برصيد الآخر المختلف.
لم يكن السيد هاني يوما مبشّرا بدين او مذهب او عقيدة، بل يحترف، من دون تكلّف او تصنع، اظهار المشرق في فكر الآخر والكنز المدفون في عقيدته. انّه فنان في الحبّ والمعرفة بلا تصنع وبعفوية الفلاح والمزارع في محاكاة ارضه وزرعه.
الاهل والناس ارض السيّد الهانية، يتفحصحها ويحنو عليها واذا يقسو فمثل فلّاح حين يقلّم شجرة الزيتون، ثم ينام تحت ظلالها ويبذر فيها الحبّ والمعرفة ويرويها من عذب الحديث سواقي لا يجفّ نبعها ولا مجراها.
ليس الاسلام عند السيّد هاني عقيدة جافة، او تعاليم صارمة في السلوك والحياة، ولم يكن يوما حارسا على بابها او متمترسا في وجه المذاهب والديانات والقيم الانسانية. فالاسلام والتشيع لدى السيد لا يكتمل الا بالآخر المختلف، الدين لديه سماحة ورحابة وإلفة .
كما يقول في سلوكه دائما ليست عالمية الاسلام وإنسانيته في قدرة المسلمين على اجتذاب غير المسلمين اليه، بل في مقدرتهم على اثبات ان الاسلام لم يتنزّل على النبي الا ليتمّم مكارم الاخلاق.
ليست المساحة لغير الحبّ والكتابة تحاول ان تغرف من قلب السيد هاني، ذلك ان من يعرف السيد هاني يدرك كم انّ طاقة الحبّ هي زاده الوفير  لمواجهة اليأس والخيبة وظلم ذوي القربى. هذه الطاقة الهائلة التي تدفعه الى اختراق الحواجز والصمت المريب بالكلمة.. بالنصّ.. بالكتابة.. بالطرفة.. بالحكايا.. بصناعة الأمل.. بالمعرفة.. بعدم الاستسلام للجهل وخناجره العمياء.. بلبنانية القابض على جوهرها، كالقابض على الجمر.
هذا السيّد العاملي الفلاح ابن ابو هاني مزارع التبغ،، هذا الكبير حافظ للتراث العاملي وذاكرته الحيّة وحلقة من حلقاته الذهبية، هذا السيّد العميق العلم والمعرفة، جميل كقصيدة.
آه منك يا سيّد. لقد كشفت لنا حجب لبنان فأدهشنا السرّ الجميل. آه منك علّمتنا ان نحبّ فلسطين من ازقّة المخيم، ان ندخل اليها من الانسان لا من المسجد او الكنيسة. علّمتنا انّ الصلاة لا تُقبَل من الله ان لم تكن مرفوعة اليه بالحبَ لا بالخوف او الحقد…
يا ذاكرة جبل عامل ولبنان من مزارعي التبغ الى طانيوس شاهين، ايّها الرجل الجميل، مشتاق الى حكاية منك، الى بيت شعر، الى آية من لسانك العذب، الى حدّوتة مصرية وحكاية نجفية وأمثولة لبنانية، الى تأنيبك لي على خطىء ارتكبته او عمل لم انجزه…
أحتاج الى كلمة من حبّ ورضى تعينني من عثرات. ايّها الجميل ننتظرك على موعد الحبّ، ينتظرك القلم وتشتاقك الكلمات، فلا تثقل عليهم بالغياب.
أعلم كم انت متعب وأعلم كم بذلت واعطيت وأنرت، لكنّنا كلماتك التي رسمتها وننتظرك كي تكمل النصّ.. لنحيا.

آخر تحديث: 19 سبتمبر، 2014 10:41 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>