الولد سرّ أبيه (2): عن الجوع والتدخين والزعران

في طفولتي، كنت أحب المدرسة ولطالما تغنى الأساتذة بمناقبيتي العالية ورهافة حسي وذكائي. أي ذكاء هذا الذي تتحدثون عنه ومعدتي فارغة! هل يمكن أن يتعايش الفكر مع الجوع؟! هل يمكن لطالب أن يذهب إلى المدرسة وأمعاؤه خاوية؟ ماذا سيفعل في الاستراحة!؟ هل سيقف وحيداً متأملاً زملائه متكئاً إلى عامود متحسراً لعدم امتلاكه ثمن زجاجة عصير؟ كيف يلعب ويضحك ومعدته تؤلمه من شدة الجوع؟ كنت أردد في سري.

في طفولتي، كنت أحب المدرسة ولطالما تغنى الأساتذة بمناقبيتي العالية ورهافة حسي وذكائي. أي ذكاء هذا الذي تتحدثون عنه ومعدتي فارغة! هل يمكن أن يتعايش الفكر مع الجوع؟! هل يمكن لطالب أن يذهب إلى المدرسة وأمعاؤه خاوية؟ ماذا سيفعل في الاستراحة!؟ هل سيقف وحيداً متأملاً زملائه متكئاً إلى عامود متحسراً لعدم امتلاكه ثمن زجاجة عصير؟ كيف يلعب ويضحك ومعدته تؤلمه من شدة الجوع؟ كنت أردد في سري.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها عدنا إلى ذلك الجزء من العالم في إحدى ضواحي بيروت الغربية. عدنا لنجد أن الجيش الوطني قد استعاد السيطرة على جميع الأراضي اللبنانية بمساعدة الجيش السوري. في تلك السنة، ألقي القبض على والدي فأضحينا بلا معيل. اشتغلت أمي في معمل الدخان مع نساء كثيرات وناضلت من أجلنا فنالت في الحي لقب “أخت الرجال” لقدرتها الفائقة على الصبر والتحمل وتدبير أمور أسرة كبيرة. أخواتي عملن في المنزل وأخواي الكبيران اشتغلا أيضاً في معمل للشوكولا. لم يثنِ كل هذا عزيمة أمي وأصرت على إدخالى إلى المدرسة لأكمل تعليمي في المرحلة المتوسطة. لطالما رددت على مسامعنا الجملة التالية: أحب القراءة والكتابة وأحزن لعدم قدرتي على تهجئة يافطات المحال وأسماء الشوارع وأخجل كثيراً حين أبصم في دوائر الدولة الرسمية.
في طفولتي، كنت أحب المدرسة ولطالما تغنى الأساتذة بمناقبيتي العالية ورهافة حسي وذكائي. أي ذكاء هذا الذي تتحدثون عنه ومعدتي فارغة! هل يمكن أن يتعايش الفكر مع الجوع؟! هل يمكن لطالب أن يذهب إلى المدرسة وأمعاؤه خاوية؟ ماذا سيفعل في الاستراحة!؟ هل سيقف وحيداً متأملاً زملائه متكئاً إلى عامود متحسراً لعدم امتلاكه ثمن زجاجة عصير؟ كيف يلعب ويضحك ومعدته تؤلمه من شدة الجوع؟ كنت أردد في سري.
كان يزعجني إعطاء الأساتذة أهمية كبرى لذكائي. ماذا يجب أن أفعل كي أثبت لهم أنني ما زلت طفلاً بحاجة إلى دمية وإلى أب يمسك يدي عند انتهاء دوام المدرسة؟ كان سؤالي الوجودي آنذاك. عاملة التنظيفات وحدها أدركت سبب حزني فكانت تحضر لي يومياً منقوشة مطلية بالزعتر. أما أنتن أيتها المعلمات فلم تنجحن في فك شيفرة الطفولة مع أنها بسيطة جداً. لتذهب العلامات الممتازة إلى الجحيم فكل ما يرسخ في ذهن الطفل هي أوقات المرح والفرح والبهجة والعطف والحنان.

في ليلة من ليالي الشتاء البارد الذي يتدفق منه الهواء القارس فينخر العظام ويصيب الأنامل بالتشنج والأحمرار، جلست على مؤخرة سيارة معطلة على ناصية الشارع. على يميني، تكدست أكوام من النفايات تدل على عمران الحي واكتظاظه بالسكن العشوائي وعلى يساري مطعم لبيع الدواجن واللحوم. كنت ألتمس الدفء المتصاعد من “منقل” الفحم الموضوع أمام المطعم وأراقب ما تحدثه النيران المشتعلة بالدجاج المتبل. كنت أفرك يدي وأشم رائحة اللحم اللذيذة وكان لعابي يسيل على إيقاع تهوئة العامل للدجاج الطري ويبلغ ذروة سيلانه حين يبدأ بتفتيته على رغيف الخبز.
كنت مع بعض الصبية من أبناء الحي ننتظر هفوةً ما من عامل المطعم كوقوع فخد من الدجاج على الأرض في لحظة التفاته بعيداً عنه وانشغاله في البيع حتى ينقض أحدنا على الفخد المشوي – وعادة ما يكون أكثرنا جوعاً وجرأة – ثم نهرع للإختباء في أحد الممرات الضيقة بعيداً عن نظرات المارين، نلتهم غنيمتنا على عجل وبشراهة قبل أن نعود محاولين تكرار الغزوة مجدداً.
كنت أسعى إلى تقليد الكبار. شعور غريب في داخلي دفعني إلى ذلك. ربما كنت بحاجة إلى إثبات الذات من خلال تكرار حركات من هم أكبر مني سناً أو ربما كنت أضيق ذرعاً من مرحلة طفولة لا تسمح لي ظروفي بعيشها. أذكر مللي من تقاسم الحذاء الوحيد مع أخي وهروب أختي المستمر من المنزل. لم يكن هناك من يرشدني إلى الطريق القويم. كل شيء كان مباحاً لعدم وجود أي حسيب أو رقيب. في إحدى المرات، سرقت سيجارة من علبة سجائر أمي ودخلت إلى مقهى الحي المزدحم بالشبان لاعبي الورق والبلياردو. أغلبيتهم كانوا متمرسين في عادة التدخين. يسهل اكتشاف ذلك من كيفية إشعالهم السجائر وتدخينها في ذات الوقت الذي يلعبون فيه البلياردو أو البيبي فوت. كانوا يحملون علب سجائر أميركية الصنع بعكس أمي التي كانت تدخن سجائر وطنية رخيصة الثمن. طلبت من أحدهم ولاعة وأشعلت سيجارتي وبدأت أنفث الدخان عالياً مفتعلاً صوتاً خفيفأ كصفير الريح ثم أرفع رأسي إلى الأعلى متأملاً السحابة التي أحدثها وناظراً بطرف عيني إلى الموجودين لأرى تفاعلهم مع ما أقوم به. كأنني أردت التأكيد لهم: أنظروا إلي، لقد أصبحت رجلاً.
لم يعرني أحد أي انتباه، لا بل سمعت رجلين جالسين على مقعد خشبي في الركن يتهامسان بشيء يخصني. أحدهما قال للآخر: هذا الطفل بلا تربية وبلا أهل ووالده سجين بتهم عدة. في لحظة خيبة، تقدم مني شاب طويل القامة عريض الكتفين وله عضلات متصلبة بشكل ملحوظ، يكسو جلده شعر كثيف ويمتلئ ذراعاه بوشوم ملونة. كان مظهره ينم عن وحشية. حنا رأسه نحوي وحدق في عيني ثم وجه كلامه لي بعد أن علم مسبقاً أنني مرتعب، ثم قال: هل أنت رجل؟ لم أجب. لم يكن بمقدوري أن أفكر أو أجيب عن أي سؤال. تابع كلامه قائلاً: هل تسمح لي بهذه الرقصة؟
وضع يده اليمنى على كتفي. صمتنا لبرهة وتأملنا في وجوه بعضنا البعض. قال لي: سأعلمك كيف تصبح رجلاً، ولكن من دون أن تتحرك شفاهه أو يفتح فمه. قالها بنظراته. بيده اليسرى ناولني صفعة قوية على خدي جعلتني كالسكران أسير متخبطاً الحائط تلو الأخر. بلمح البصر وصلت إلى المنزل من شدة ما أصابني من هلع. كل ما أذكره من تلك اللحظة قهقهات وشفاه وأسنان تلمع كحد السيف وأصابع تومئ باتجاهي وضجيج في رأسي كأن جرساً قوياً قد رن في أذني. يا له من احساس مؤلم تملكني حين كفكفت دموعي بيدي وغسلت وجهي بالماء. رقدت تحت اللحاف خشية افتضاح أمري.

آخر تحديث: 19 يونيو، 2017 1:13 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>