الولد سرّ أبيه (1)

يقوم موقع “جنوبية” بنشر قصة حقيقة على حلقات لشاب من سكان حيّ السلم اسمه فراس حميّة. القصة تعود بنا الى مرحلة الحرب الاهلية والقتل على الهوية وكيف عاش فراس تلك المرحلة وما بعدها بكل التداعيات السياسية والاجتماعية. يشرح فراس كيف عاش حياة الفقر والعوز وكيف دخل والده السجن ليجد نفسه بعد سنوات في الزنزانة نفسها التي كان يزورها كل أسبوعين.

243، هو رقم الغرفة حيث كان والدي يمضي عقوبة سجن امتدت لفترة عشرة أعوام. ما زلت أذكر يده التي كانت تلوح لي من شباك تلك الغرفة الحديدي في الطابق الثاني من مبنى رث وقديم جداً تفيض فيه أقنية الصرف الصحي دورياً باعثةً رائحة كريهة. لا زالت ابتسامته العريضة محفورة في خيالي في كل مرة كنت آتي مع أمي لزيارته. كان يصرخ لي باسمي محاولاً لفت انتباهي وثلاثة أرباع جسده تحاول الخروج من بين القضبان لتعانقني ثم يقول لزملائه الكثيرين في الغرفة الصغيرة:
-هذا ابني، أنظروا اليه كم هو جميل، بشرته بيضاء وشعره أشقر كالذهب.

كان يسمح لنا بزيارته أيام الخميس والأحاد ولكننا كنا نزوره مرة أو مرتين في الشهر فقط تبعاً للظروف المادية. داخل السجن تعلم والدي أنواعاً من الأشغال اليدوية فكان يصنع أشكالاً حرفية مختلفة بواسطة عيدان الكبريت الخشبية وعيدان البوظة الخشبية وفي احدى المرات صنع لي سفينة كبيرة من الشمع والخشب وبعض الخيطان الملونة المطرزة. أحببتها جداً وأصبحت يومياً ألتقط عيدان الخشب المرمية على الطريق كي أرسلها إليه أثناء الزيارة التالية. كنت أراقب الأطفال الذين يشترون ألواح البوظة ثم يلعقونها بشغف وما أن ينتهوا منها حتى أقوم بجمعها وتخبئتها في حقيبتي المدرسية. لقد منعت اخوتي من رمي عيدان الكبريت بعد استعمالها واحتفظت بها داخل كيس نايلون كما كنت أجلب من عند جارنا النجار ما سقط من النشارة على الأرض، إضافة إلى علب السجائر الفارغة.

لقد كنا عائلة مسلمة مؤلفة من أحد عشر نفراً تقطن في بيت صغير قائم في ضواحي مدينة بيروت. كنا ننام جميعنا “كعب وراس” على الأرض، وفي الغرفة المجاورة كان أصدقاء أبي يلعبون القمار ورائحة الدخان تعبق في أرجاء المنزل. كان صراخهم يعلو في الحي حتى الفجر وسعالهم ينم عن احتراق كميات هائلة من النيكوتين في رئاتهم.

ما زلت أذكر الطنجرة النحاسية التي كنت أراها أحياناً ممتلئة بأرباح من نقود وذهب وساعات ثمينة وأجدها أحياناً أخرى فارغة فيتجهم وجه أبي ويبدأ باحتساء الخمر طيلة اليوم التالي. في زاوية الغرفة كنا نضع مكتباً خشبياً. في الجارور الأول منه يضع والدي رزماً من المال وفي الجارور الثاني يحتفظ بالمخدرات وأما في الثالث فبشتى أنواع الذخائر الحربية. لم يفارق المسدس خصره وكان مهووساً بجمع المسدسات الحربية المرصعة بالذهب.

لم أكن قد بلغت من العمر عشرة أعوام حين سجن والدي بتهم عدة. كان لبنان خارجاً للتو من حرب أهلية بين المسلمين والمسيحيين قسمت الوطن بين معسكرين بالمعنى السياسي والجغرافي: الشرقية ويقطنها المسيحيون والغربية ويقطنها المسلمون. وككل حرب أهلية انتشرت الحواجز والمراكز العسكرية الميليشياوية وانتفى كل مظهر من مظاهر الدولة ثم دخل الجيش السوري إلى لبنان بحجة وقف الحرب والصراع الأهلي وضبط الأمن.

عرفنا مسبقاً أن المخابرات ستقوم بحملة للقضاء على كل العناصر الحزبية المخلة بالأمن والتي لن تمتثل للإجراءات العسكرية الاستثنائية التي اتخذت آنذاك. في الخامسة فجراً اقتحم الجيش السوري منزلنا وفتشوه بحثاً عن والدي ولكنه اختفى فجأةً كالشبح. لم تكد تمر دقائق قليلة حتى سمعنا صراخاً آتيا من الشارع المقابل فهرعنا بلا أحذية وشاهدنا جثثاً مرمية على ناصية الرصيف لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. تنفسنا الصعداء حين غاب وجه أبي عن المشهد. وعندما عدنا أدراجنا إلى المنزل اكتشفنا أن والدي كان مختبئاً في خزان المياه في العلية.

بسبب احتدام المعارك بين الجبهتين وارتفاع وتيرة القنص وازدياد عدد الضحايا من المدنيين قررت والدتي العودة إلى الضيعة والاقامة هناك ريثما تهدأ الأوضاع في العاصمة. حملنا أمتعتنا على عجل واستقلينا باص فولزفاجين كان والدي قد اتفق مع سائقه على نقلنا إلى القرية.

على طريق فرعية صادفنا شبان مسلحين. كانوا يفتشون السيارات ويدققون في هويات العابرين. كانوا يبحثون عن علامة فارقة، عن وشم أو صليب ويكثرون من الأسئلة ويجبرون البعض على خلع ملابسهم. سحبوا من احدى السيارات أمامنا رجلين أحدهما شاب والآخر كهل حين اكتشفوا انتمائهما إلى طائفة دينية “أخرى”. دفعوا بهما إلى جانب الطريق ورموهما بالرصاص غير عابئين بتوسلاتهم ونحيبهم وركوعهم وتقبيلهم للأيدي والأرجل.

ليس هذا المشهد من ابداع مخيلتي ولكنه حدث حقيقي بكل ما فيه من عنف مذهل وصدمة قوية لم يتمكن مرور الزمن من محوها. حين جاء دورنا لعبور الحاجز ساد صمت مطبق في الباص. كنا خائفين جداً. أختي الوسطى صعقت من هول ما رأت وبقيت طيلة أسبوع كامل غير قادرة على تحريك فمها. أمي قالت لنا: لا تتفوهوا بأي كلمة واكبتوا بكائكم. بدأ عناصر الميليشيا بتفتيش الباص بأكمله وطلبوا من السائق بطاقة هويته فناولهم إياها. كانت نظراتهم حادة جداً وقاسية. سألوا أمي بعض الأسئلة الروتينية فأجابت بكل هدوء.

أحد العناصر قال لها: تقولين أنكم مسلمون بينما أنت سمراء البشرة ونصف أطفالك سحنتهم بيضاء وفي عيونهم زرقة السماء! كيف تفسرين ذلك؟

ـ يا سيدنا لقد أغفلت حقيقة أن الأطفال يميل بعضهم- من ناحية الشبه الخارجي – إلى جهة الام وبعضهم يميل إلى الأب، ونصف أطفالي يشبهون والدهم.
ـ لا بأس ولكنني أميل إلى التأكد من كلامك. أطلب منك تعرية الصبيان لنتأكد من هذه الحقيقة.
ـ ولكن يا سيدي أرجوك.
ـ نفذي ما طلبته منك وإلا سأعريهم بالقوة.
ـ حسناً لك ما تريد ولكن أرجوك لا أريد أن يمس أحد أطفالي.
كانت تدرك أمي عواقب تعريتنا. كانت تعلم أنني وثلاثة من أخوتي لم نختن أثناء الولادة. والختان سنة مطبقة لدى المسلمين ويعرف أيضاً باسم”الطهور” وهو عبارة عن قطع الجلدة الزائدة في العضو التناسلي كعلامة فارقة تدل على الانتساب إلى شريعة النبي ابراهيم وشعب موسى. المسيحيون تخلوا عن هذه العادة منذ ما يقارب الألف سنة. حين رآني ذلك الضابط عارياً غض طرفه وبصق على الأرض من شدة القرف. ردة فعله تركت في نفسي تشوهاً شعرت معه بأنني مخصي.

أقسم لك أننا مسلمون وهؤلاء جميعهم أطفالي والغلطة غلطتي لأنني أهملت الموضوع، قالت أمي. فأجابها الضابط: نحن مضطرون لاحتجازكم جميعاً إلى حين التأكد من ذلك وأما الآن فأنت متهمة بتهريب أطفال مسيحيين.
اقتادونا بواسطة “بيك آب” إلى المكتب الرئيسي مع السائق وصادروا الباص. المكتب عبارة عن ثكنة عسكرية تضم شباباً مدججين بالأعتدة العسكرية. لقد سمعت أحدهم يقول: لقد ضبطنا مع هذه المرأة أطفالاً غير طاهرين، نجسين، ولكنها تصر على أنهم مسلمون.

كانت متعبة وبشعة تلك الليلة التي أمضيناها واقفين بعضنا بجوار بعض ممسكين بأيدي والدتنا في غرفة لا يتجاوز طولها المترين وعرضها متر ونصف المتر. في صباح اليوم التالي، أفرجوا عنا بعد مجيء أحد أقاربنا، وهو من أصحاب الرتب العسكرية الرفيعة، وتعرفه علينا. كانت أمي قد اتصلت به ليلاً وتمنت عليه مساعدتنا للخروج من المأزق سالمين. أفرج عنا بضمانة الرجل مقابل التعهد بإجراء عمليات الختان في أقرب وقت ممكن.

لقد نعمنا بالأمن والأمان طيلة الأشهر التسعة التي قضيناها في الضيعة. ذهبنا، أنا واشقائي الصبيان، إلى دار التعليم الابتدائي، أما أخواتي الفتيات فبقين في المنزل. كان حظر تعليم الفتيات عرفاً لدى أهل القرية، بسبب الخوف من أن يكتبن رسائل الغرام لعشاقهن، فلطالما سمعت جدتي تقول لهن: “ما حاجتكن إلى تعلّم القراءة والكتابة. بالإمكان أن تبصمن بالإبهام. وفي النهاية ستتزوجن، وهذا غاية طموح الفتاة وسعادتها”.

آخر تحديث: 19 يونيو، 2017 1:14 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>