مرجعية النجف والدورالمعطٌّل

مع الاحتلال الاميركي للعراق وما تبعه من زوال لنظام البعث عملت ايران وبالتنسيق مع الاميركي على وضع يدها للامساك بقرار حوزة النجف من خلال تسوية تقضي بتقديم السيد علي السيستاني وجعله المرجعية الأولى والمتربع الأول على كرسي الحوزة بلا منازع. ساعدها على ذلك عدم وجود أي نظام داخلي للحوزة الشيعية وعدم وجود معايير ضابطة يتقدم من خلالها من يتقدم أو يتأخر من يتأخر ما جعل كثير من العوامل الخارجة عن نطاق الحوزة تلعب دورا كبيرا إن لم نقل الدور الأكبر في بلورة شخصية المرجعية الأولى.

لطالما كانت الحوزة العلمية في النجف الاشرف تشكل المرتكز المرجعي الأول عند الشيعة بشكل عام وعند الشيعة العرب بشكل خاص، ومن حاضرتها العلمية تخرّج الاف علماء الدين عبر تاريخ يمتد الى مئات السنين، ومن المعلوم انها كانت هي الأصل في حين أنّ حوزة قم كانت والى أمد ليس ببعيد تعتبر مجرد فرع.

ولعلّ اللغة العربية هنا لعبت دورا طبيعيا في إنتاج مزاج فقهي نجفي مختلف عن غيره من الحوزات الغير عربية مما ولّد نوعا من الاختلاف وصل في الكثير من المراحل الى ما يشبه الخلاف، خصوصا اذا ما اخذنا بعين الاعتبار اللحظة السياسية وتأثيراتها على تطور دور الحوزة وتأثيراتها على مجريات الأمور. ومن غير الخافي على أي مطلع ان نظام البعث في زمن صدام حسين عمل بكل قوته على تقويض دور حوزة النجف وإن كان هذا الدور مختصرا حينها على ما يشبه العمل الرقابي على السلطة السياسية فقط وهذا المقدار لم يكن ليحتمله ديكتاتور كصدام حسين. وبدأت مرحلة ضعف النجف ما سمح لحوزة قم أن تنتعش خصوصا مع بداية الثورة الإيرانية بقيادة رجال الدين ما جعل حوزة قم تظهر وكأنها هي الام وهي الأصل.

ومع الاحتلال الاميركي للعراق وما تبعه من زوال لنظام البعث عملت ايران وبالتنسيق مع الاميركي على وضع يدها للامساك بقرار حوزة النجف من خلال تسوية تقضي بتقديم السيد علي السيستاني وجعله المرجعية الأولى والمتربع الأول على كرسي الحوزة بلا منازع. ساعدها على ذلك عدم وجود أي نظام داخلي للحوزة الشيعية وعدم وجود معايير ضابطة يتقدم من خلالها من يتقدم أو يتأخر من يتأخر ما جعل كثير من العوامل الخارجة عن نطاق الحوزة تلعب دورا كبيرا إن لم نقل الدور الأكبر في بلورة الشخصية المرجعية الأولى.

ولا أبالغ هنا إن قلت أنّ هذا الامر يكاد يكون غائبا عن اذهان السواد الأعظم من عامة الشيعة، بحيث أن غياب التراتبية التنظيمية المستندة أولا وأخيرا على المستوى العلمي، هو امر تفتقده الحوزة الشيعية كما وتفتقد لأي آلية خاصة تحدد من خلالها أحقية الموقع الفعلي للمرجع الأعلى، ما سمح ووببساطة للتدخلات السياسية أن تكون لها الدور المؤثر في انتاج المرجعية.

فيكفي لاي محظوظ ان يتأمن له غطاء سياسي من أي سلطة متحكمة بالامر الواقع، مع موازنة مالية معتبرة وحملة إعلامية ودعائية ضخمة ليتحول الى مرجعية لا ينافس ولا يضاهى حتى مع وجود علماء يفوقونه علما ودراية. لانه أصلا بعد ذلك هو لا يحتاج الى اظهار علمه إن وجد، ولا حتى الى خروجه العلني ولو لمقلديه وهذا ما نلاحظه بأداء السيد السيستاني المختفي دوما والغائب دائما عن وسائل الاعلام مما يفسر الكثير من حالات التخبط والارباك خصوصا عند المفاصل المهمة.

وهذا ما يجعلنا نجزم أنّ حال المرجعية في النجف الاشرف تمر الان في ظروف غير طبيعية وبالتالي فهي لا تزال ممسوكة بإحكام من قبل النظام الإيراني المهيمن فعليا على كل مفاصل الحياة السياسية في العراق وعلى البيئة الشيعية فيه بشكل كامل، وهي تحتاج الى وقت طويل من اجل العودة الى لعب دور أم الحوزات. والى ذلك الحين فالاعتقاد السائد في الوسط الشيعي العارف بحقائق الأمور لا يزال يعتبر أن النجف ما هي الا صدى للقرارات الاتية من طهران وتظهر عادة من خلال مكاتب المرجعية ووكلائها المنتشرة على طول البقعة الشيعية في العراق وخارجه، ولذلك فلا دور فعلي مستقل لمرجعية النجف الا بالحدود المعطاة لها كهامش تقليدي محصور بالامور الدينية والفقهية فقط. واما في الأمور السياسية فالقرار هو حصرا عند الولي الفقيه، ما يسلب أي تأثير فعلي لمرجعية النجف، وما رجوع بعض السياسيين الى الوقوف على رأي السيد السيستاني الا من باب المناورات السياسية التي يراد منها خداع عامة الناس، لان المرجع الفقهي بالحقيقة لا يتصدى للامور السياسية، بالاخص عند من لا يعتقد بنظرية الولي الفقيه كالسيد السيستاني ولا من يعود اليه حال اغلب الأحزاب الشيعية بالعراق كالدعوة وغيره، وليس المقصود هنا الا إضفاء شيء من الشرعية المدّعاة على مواقف لا علاقة للسيستاني بها في ظل دور حقيقي معطّل .

آخر تحديث: 28 يوليو، 2014 5:54 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>