القانون والضبط الاجتماعي

الانفتاح العالمي فكرياً ومعرفياً من خلال أدوات الحداثة التكنولوجية كالانترنت والهواتف الذكية وغيرها من التقنيات اجعلت المعلومة عابرة للقارات والمحيطات بضغطة زر يقوم بها الشخص وهو قد يكون مستلقياً على أحد الشواطيء الجميلة. وهي دلالة على السهولة التي وفرتها تلك الأدوات الحداثية في الحصول على المعرفة وصناعة وعي الإنسان .

لكن لا يخلو الأمر من مخاطر حقيقية كون المعارف والعلوم العابرة إلينا في غالبها قنابل موقوته بالشبهات والخلط بين الصحيح والسقيم والحق والباطل، وهو ما قد يفجر هوية الإنسان ويعمل على تدميرها تدريجيا وقلب موازينها ومن ثم ينقض عليها بالضربة القاضية. وقد يصف البعض ذلك بالنظرة المتشائمة، إلا أنني أراها نظرة واقعية إلى حد ما خاصة مع علمي بمستوى الادراك والوعي الذي تتصف به الجماهير العربية من جهة وبمستوى قدرة المؤسسات التعليمية والدينية في مواجهة هذه الشبهات أو امتلاكها لمشاريع بديلة قادرة على الاستفادة من تلك المعارف العابرة إلينا ومواجهة ما تكتنزه من شبهات أو فساد علمي بطريقة نقدية برهانية علمية وموضوعية تحترم فيها عقول الجماهير وتعيد صياغة وعيهم بشكل عصري يستفيد من الآخر دون أن يفقد ثوابته ويميع هويته بل وبشكل يحافظ فيها على جو المجتمعات العرفية المقبولة عقلا وشرعا.

الضبط الاجتماعي وصياغة الوعي

الوعي الذي يعكس مدى ما يملكه الفرد من بصيرة نافذة في قراءة الذات والمجتمع ومواءمة الظروف المحيطة بطريقة تنعكس على سعادته المعنوية والمادية في الدنيا والآخرة.

هذا الوعي هو صناعة عدة جهات:

– الدولة وما لديها من خطط تربوية وتعليمية وإعلامية تنهض بالوعي الفردي والاجتماعي
– المؤسسة الدينية وقدرتها على فهم الدين وتحويله لمشاريع عمل تنهض بالفرد والمجتمع وتنخرط كجزء من هذه المشاريع تنفيذيا وليس فقط تنظيريا ، بل قدرتها على ترسيخ منظومة القيم والمعايير وتقديمها نموذجا مرجعيا نظريا وسلوكيا في ذلك، ورفد الدولة بالقوانين المستوحاة من الأحكام الفقهية القابلة للتقنين.
– مؤسسات المجتمع المدني بمختلف مجالاتها وقدرتها على امتلاك مشاريع عمل تدمج طبقات المجتمع المختلفة في مشاريع التوعية القانونية ، وامتلاك رؤية قادرة على رفد الدولة بضوابط تعالج مشاكل المجتمع ، وتدفع باتجاه المزيد من الاستقرار الاجتماعي ، لتلعب دورا هاما أيضا في تحويل تجربتها البشرية الميدانية لقضايا يمكن تشخيص قوانين ضابطة لها على ضوء الشريعة من خلالها جسر يمتد بينها وبين المؤسسات الدينية.
– الأسرة التي تشكل النواة المنتجة للأفراد إلى داخل المجتمع ، ودورها المحوري في التنشئة القانونية والشرعية ، بل قدرتها على تعليم الابناء أهمية الضوابط والقوانين الاجتماعية ودورها في تحقيق السعادة والاستقرار.
– الاعلام ودوره في صناعة وعي الجمهور ، وترسيخ ثقافة الضوابط والالتزام بها وبالقوانين الداعمة للنظم والاستقرار.

الضبط الاجتماعي والقانون:

ينظر للقانون بأنه مجموعة قواعد لذا تم تعريف القاعدة أو القواعد والتعريف القانوني العلمي المجمع عليه حيث ثمة اتفاق كبير بين فقهاء القانون الوضعي على تعريف القانون على أنه ((مجموعة قواعد عامة مجردة ملزمة تنظم العلاقات بين الأشخاص في المجتمع))، فالقاعدة القانونية تختص بأنها عامة ومجردة (تنطبق على الجميع) وملزمة.

فموضوع القانون هو الإنسان وسلوكه الاجتماعي وأفعاله وردود أفعاله، وهدفه نظم هذا السلوك بمجموعة من القوانين الملزمة لتحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي.

ولا يمكن للقانون أن يحدث الأثر المرجو ويحقق الهدف إلا في حال جرى تطبيقه وفق مبدأ المساواة على الجميع دون فرق، وإلا بات القانون لا يساوي الحبر الذي كتب به.فالقانون يرسم الحدود ويضبط السلوك الخارجي وإن جبرا ، ولكنه يحتاج عوامل أخرى كي يحقق هدف الاستقرار الاجتماعي المستديم.

وجوهر هذه الاستدامة في الاستقرارالاجتماعي هو احراز القانون للعدالة الاجتماعية ، والعدالة قيمة غائية لا تعتمد في تحقيقها فقط على القانون والانضباط الاجتماعي ، بل تحتاج بشكل كبير للانضباط القيمي والمعياري والأخلاقي على مستوى الفرد ( الذات ) وهو ما قد يمكن تحقيقه من خلال بوابة التقوى التي تلعب دورا هاما في الحياة الدنيا وضبطها وتحقيق العدالة وتطبيق القانون واستدامة الاستقرارالاجتماعي.

وللقانون وتطبيقه على الجميع دون فرق دور كبير في تحقيق الضبط الاجتماعي تشريعيا ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : ما هي مصادر التقنين ؟ وهل للقانون دور في الضبط الأخلاقي ؟

مصادر التقنين:

كي يحرزالقانون هدفه في الضبط وتحقيق العدل لابد له من مرجعية خبيرة ومحيطة بالإنسان وعلاقته بالطبيعة والإنسان الآخر ، وكيفية نظم هذه العلاقات بما يدفع باتجاه التطور والتقدم والتنمية المستديمة ويزيل كل العوائق النفسية والاجتماعية .
والمصدر في التقنين يجب أن يتصف بالاحاطة والشمولية والتجرد والموضوعية ، كي يستطيع سن قانون يحقق الهدف ، ويضبط السلوك الفردي والاجتماعي بما يحفظ النوع الإنساني ويحقق العدل.

فنحن هنا أمام مرجعيتين:

١. المرجعية الالهية المحيطة الشاملة الخبيرة الغير محدودة

٢. المرجعية البشرية المحدودة والتي يلعب فيها كل من العقل البشري المحدود و الذات دورا كبيرا في تشخيص القانون.

المرجعية الالهية متمثلة في القرآن الكريم والسنة المعتبرة والحديث المحقق، بحيث يشكل القرآن المرجعية المعرفية المعصومة لباقي المصادر ويلعب العقل دورا هاما ومحوريا في الوصول لحكم الله.
أما المرجعية البشرية فتتكئ على التجربة منطلقة من نجاحها في التجارب الطبيعية،مع عدم التفاتها للاختلاف العميق والواقعي بين التجربة الطبيعية والتجربة الاجتماعية ، وأهمها مجال التطبيق ومدة ظهور النتائج والاثار المترتبة على التجربة.

المرجعية الالهية تنظم القوانين وفق أسس ثابتة وأخرى متغيرة وفق الزمان والمكان ، تكون فيها الثوابت مرجعية لتلك المتغيرات ، بحيث تشكل قواعد كلية صالحة لكل زمان ومكان ، وتكون المتغيرات في مصاديق تحقيق تلك الكليات الثابتة، أو إن كانت كليات ثابتة مع تفاصيلها فإن المحرك العملي هنا قواعد كلية مرنة منتزعة من الشريعة تعمل كمفصل مرن يجعل من هذه الثوابت صالحة لكل زمان ومكان ، كقاعدة ” لا ضرر ولا ضرار ” و قاعدة التزاحم وقاعدة المصالح والمفاسد وقاعدة الأهم والمهم ، وهي قواعد يستخدمها الحاكم الشرعي في حال تشخيصه للواقع الخارجي وإمكانية تحقيقه المصلحة العامة .

وهذا لا يعني إلغاء دورالعقل ومنع الاستفادة من التجارب البشرية الاجتماعية، فالنبي ص أمضى حلف الفضول الذي تأسس قبل الاسلام، كونه يلتقي في مقاصده الاجتماعية وحراكه مع قيم الاسلام الرفيعة ،فالانسان مفطور على حب الخير.

إذا معيارالاستفادة من تجارب الأخرين البشرية الاجتماعية وما يتعلق بالتقنين هو عدم تعارضها مع القواعدالكلية للشريعة ومع مقاصد الاسلام العليا ، وتحقيقها لجوهرة القيم ” العدالة “، وعدم امتهانها لكرامة الإنسان ودوره الخلافي على الأرض.

فالعقل أحد مصادر التشريع من جهة وأحد مصادر المعرفة من جهة أخرى ، وهو قادر على كشف الواقع والانتزاع من جزئيات مستقرأة قوانين كلية قادرة على نظم الواقع الإنساني اجتماعيا، ويكون الوحي حارسا يمنع خروج العقل عن جادة التفكير المنطقي ، ويمده بالمواد الخام في حال عجز عن الحصول عليها مستقلاً لمعرفة واقع الأمر.

العلاقة والنسبة بين القانون والحق والتكليف :

الحق ينشأ بوجود الشخص العاقل المدرك المريد المختار ، فيصبح له حقوق وعليه واجبات أو تكليف ، واجبات اتجاه ذاته كفرد ومحيطه العلائقي الذي يبدأ من الأسرة إلى المجتمع ومن ثم إلى الأمة وكلها في طول بعضها البعض يكون فيها ترتيب الأولويات في طول إرادة المشرع الأصل والمنبع أي الله سبحانه وتعالى.فيكون منشأ الحق هو الله تعالى وهو ليس حقاً على الله وإنما حقا من الله فرضه للإنسان من باب نظم الحياة التي هي ساحة وميدان ابتلاء الإنسان وحراكه التكاملي نحو الله تعالى والسعادة الأبدية .

وهنا يصبح الحق مرجعية للتقنين ، هذا التقنين هو لنظم العلاقات الاجتماعية وارساء الأمن والاستقرار المجتمعي، ولكن هنا تطرح مسألة في الحق والقانون والصلح الذي يقدمه كانط على مسألة الحق، وهو لمن الأصالة في الحق والتقنين: للفرد أم للمجتمع أو لكليهما؟

كون منشأ الحق هو الله تعالى لا يعني ذلك تحييد دور العقل البشري في تشخيص قوانين وحقوق تنتزع من الثوابت الشرعية وتكون خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان هذا من وجه ، ومن وجه آخر حينما يكون منشأ الحق هو الله تعالى فإن ذلك يعني الأخذ في الحسبان كل من الفرد والمجتمع كون السيرة الالهية التشريعية آخذة في حسبانها الطرفين ، لكنها متكأة على أساس قواعد مهمة مثل لا ضرر ولا ضرار وقاعدة الأهم والمهم وقاعدة التزاحم وهي قواعد أصولية تعطي للفقيه مساحة للتشخيص مهمة لتحديد متى نقدم حق الفرد على حق المجتمع ومتى نقدم الأخير على الأول ، وهناك قصة تاريخية تنقل عن سيد البشرية رسول الله محمد صلى الله عليه وآله حول عبور الجيش عبر مزرعة هي ملك لفرد ، وكيف رفض هذا الفرد عبور الجيش عبر أرضه كونها المعبر الوحيد لوجستيا بحجة أن ذلك سيدمر الأرض ويؤدي لخسارته ، وكيف عرض عليه النبي ص تعويضا آخرويا ومعنويا في الجنة ، إلا أنه رفض، وهنا من موقع القائد والرئيس والمشرع شخص الواقع وقدم مصلحة المجتمع وأمنه على حق هذا الفرد في ملكيته لأرضه والحفاظ عليها .

وهذا يفرض سؤالا مهما في كيفية ارتباط الحق بالقانون في ظل هذه القواعد التي تجعل من الحق مسألة خاضعة لها في التشخيص وفي تقديم الأولويات ليس مطلقا للمجتمع وإنما غالبا له ، ومن الذي يملك حق التشخيص في ذلك مع بعدنا عن عصر التشريع ؟ هل الفقهاء فقط أومجلس يضم الفقيه مع القانوني والمفكر والمختص ؟

سؤال يحتاج بحث مستقل وهو ما قد يخرجنا عن هدف هذه الأوراق.

ينقل عن الإمام علي ع : ” مضيعة الحقوق داعية للعقوق ”

فحينما يتم إعطاء كل ذي حق حقه وتهيأ الظروف وتعبد الطرق أمام الإنسان بما يمكنه من أداء تكليفه حيث لا وجود لحق بدون واجب عليه وتكليف ، فإن ذلك يكون مدعاة لإنفاذ الإرادة الإلهية في قيامة العدل ونظم الأمر و فتح الأفق نحو الابداع والتطوير والتنمية في الإنسان وله.

ضابطة الالزام في تطبيق القانون:

سن القانون وفق قاعدة الحق الالهي المنشأ ووفق قاعدة المرجعية الالهية مع الاستفادة من التجارب البشرية التي لا تتعارض مع هذه المرجعية لا يكفي في تحقيق الهدف ، حتى مع الالزام الخارجي في تطبيقه ، كون الهدف من القانون احراز الاستدامة في الاستقرار الاجتماعي ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، وهذا لا يتحقق إلا من خلال بناء الفرد بناءا معنويا روحيا وفق مبدأ الرقابة الالهية واتصال الدنيا بالآخرة ، وليس مبدأ فقط رقابة الدولة عليه لتطبيق القانون.

فالقانون لا يلعب دورا في الضبط الأخلاقي وارتفاع منسوب التقوى ، بل بالعكس التقوى والانضباط الأخلاقي هما الأساس في تطبيق القانون وتحقيق أهدافه.

والإلزام كضابطة لتطبيق القانون وكقاعدة تعتمد في إنفاذها في الفرد على تربيته وفق مبدأ الرقابة الإلهية، وهو ما يتطلب وجود برنامج شامل يبني قواعده العقدية على أساس التوحيد وينطلق به ليكمل بناءاته وفق إرادة الخالق المنظمة لجوارحه سلوكيا وفق مجموعة من القوانين والتشريعات المرسلة عن طريق الأنبياء بالأصالة ومن يكمل مسيرتهم من الأوصياء والعلماء والنخب الملتزمة لتلك المباديء قولا وعملا ، ووفق مجموعة من القيم والضوابط الأخلاقية التي تعني بضبط بعده الجوانحي المعنوي وفق نفس الطريق في التبليغ بها.

فما نعيشه اليوم من تجربة للمرجعيات البشرية في سن القوانين الناظمة والضابطة للحياة الاجتماعية أكبر دليل على عدم قدرتها منفردة في تشخيص الواقع ومعالجته، للقصور الذي يظهر في تلك القوانين بعد مرور زمن طويل على تطبيقها وظهور جوانب القصور فيها ،. لعدم تحقيقها للانضباط والاستقرار المستديم وعدم إرسائها للعدالة الاجتماعية لخلل في التطبيق على الجميع ولخلل في تشخيص الواقع الذي على ضوئه سن القانون.

فقد يلتزم الأغلب بالقانون بدافع حماية النفس من العقاب أو التعدي عليها لانتهاك القانون ، أو دفعا لاستقرار المجتمع ، لكن قد يكون الأشخاص يملكون من النفوذ المالي والسلطوي ما يمكنهم من تجاوز القوانين الناظمة دون رقيب أو حسيب، فيكون القانون بذلك لم يملك بذاته صفة الالزام ولم يتم تطبيقه على الجميع لموانع خارجية غالبها تأتي من تلك اليد إما الواضعة للقانون أو المنفذة له كون الأساس الأخلاقي الحاكم على مسار التطبيق هو الأساس المنفعي.
فطالما المنفعة تتطلب تجاوز القانون وعدم تطبيقه فلن يطبق لتحقيق هذه المنفعة.

وما يكسب القانون إلزاميته هو الإنسان ذاته وما يملكه من أبعاد قيمية ومعايير ضابطة ترتبط إما بتماهيه مع فطرته وما جبل عليه من الخير أو لارتباط هذا العنصر البشري بالسماء وإحرازه لمقومات التقوى المرسخة للانضباط الذاتي .
ولتطبيق القانون هناك عدة مراحل للضبط:

١- ضبط فردي ذاتي

ضبط حقيقي وواقعي مستمد من التشريعات الالهية لمدخلية الدين والاجتماع ودور الدين في ضبط الفرد لطبيعة العلاقة بين الإنسان والدين وكيفية المواءمة بحيث يخدم كل منهما الاخر ولا يسجن أحدهما الآخر ، وهنا للتقوى دور مهم في الضبط نستطيع التأسيس على ضوء تقسيم الشهيد الصدر لعناصر المجتمع ( ثلاثي ورباعي ) وما يترتب على هذا التقسيم في عملية الضبط الاجتماعي ،، كون التقوى الفردية تلعب دورا هاما ومحوريا في موضوع الضبط المتعلق غالبا بتطبيق القانون وانفاذ التشريعات وخلافه.

ففي الغرب الذي يؤمن بالتركيبة الثلاثية للمجتمع مرجعية الضبط فقط الانسان وتوافق العقلاء ، واما النظرية الاخلاقية قائمة على أساس المنفعة … هذه النظرية متهافته قيميا واخلاقيا ولا تلعب دورا ابدا في الضبط الا على الاضعف والافقر .. فالنفع منتفي مع امتلاك القوة لغياب الضابط الاخلاقي المتصل بالسماء.

٢. ضبط اجتماعي وله بعدين :

الأول : وضعي – اعتباري وفق توافق العقلاء الآخذ بالحسبان الجو العام الاجتماعي وادوات الضبط الأنجع .

الثاني : حقيقي – واقعي وفق كليات ومقاصد الشريعة قادر على تقنين الأحكام الفقهية خاصة تلك المتعلقة بالضبط الاجتماعي وفق آلة القانون .
ووفق ذلك يكون الضبط الاجتماعي العنوان الكلي المتعدد المصاديق :

– ضوابط اجتماعية قيمية
– ضوابط اجتماعية أخلاقية
– ضوابط اجتماعية معيارية
– ضوابط اجتماعية إعلامية
– ضوابط اجتماعية اقتصادية
– ضوابط اجتماعية ثقافية وفكرية

الضبط الاجتماعي هو العملية التي يستطيع المجتمع بواسطتها السيطرة على أفراده وتنظم سلوكهم من خلال مجموعة من الوسائل بالشكل الذي يؤدي إلى اتساق هذا السلوك مع التوقعات الاجتماعية، والتي تعمل للمحافظة على استمرارية المجتمع ونموه في الأوضاع الاعتيادية وتلافي التخلف الذي يحدث في بعض مؤسساته خلال عمليات التطور التدريجي أو التغير المفاجيء لا سيما أثناء الأزمات الاقتصادية والانقلابات السياسية والحروب والثورات والكوارث الطبيعية .. الخ

وحيث أن القانون مجموعة قواعد تنظم علاقة الأفراد، والضوابط هي وسائل لضبط السلوك ، فتكون الضابطة سابقة للقانون من حيث السبق المنطقي حيث ضبط السلوك مطلب حقيقي لتطبيق القانون وخلق حالة الالزام النفسي للفرد والمجتمع اتجاهه.

وحينما يكون منطلق الضوابط الاجتماعية منطلق إلهي فإن نسبة الالزام النفسي لتطبيق القانون تكون أكبر بكثير من تلك النسبة في المرجعية البشرية للضوابط الاجتماعية.

الضوابط الاجتماعية الوازنة الجامعة للبعدين الالهي والبشري في التنظير الاخذ للحراك الزمكاني المستمر، تحدث حالة التوازن الاجتماعي وتعيد بناء مؤسسات الدولة وفق هذا التوازن بما يخلق قابليات ومساحات كبيرة تمكن القانون من المضي قدما في التطبيق ، وإشاعة النظام والاقتراب من العدالة التي تفجر كل الطاقات البشرية وتحدث تقدما كبيرا في التنمية على كافة الأصعدة.

فالضبط الاجتماعي يؤمن بيئة اجتماعية مستقرة محققة تقريبا للعدالة الاجتماعية ، ويجب أن نلفت إلى نقطة مهمة جدا وهو الفرق بين الضبط الاجتماعي والاستبداد ، فالضبط لبسط العدالة الاجتماعية والعدالة لا تقبل الاستبداد .

فلا يمكن للضوابط أن تتحول لأداة في يد السلطة تستبد بها على المجتمع ، فالضوابط إنما وضعت لاحداث التوازن الاجتماعي وتهياة أرضيته لتطبيق القانون واحراز العدالة.

فأي إفراط أو تفريط سيحدث خللا تراكميا منهجيا في تطبيق القانون ستكون ثمرته الفوضى والفتنة وتدريجيا ينتشر الفساد من الفرد لرأس الدولة أو بالعكس وتدخل الدولة والمجتمع في الفتنة الشاملة التي تغيب فيها الضوابط والقيم والمعايير.

 

آخر تحديث: 13 أكتوبر، 2017 11:46 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>