خطبة «الخليفة» أبو بكر البغدادي وخرائط المنطقة

يدشن الشريط المصوّر «للخليفة» إبراهيم أبي بكر البغدادي في خطبة الجمعة بالجامع الكبير في مدينة الموصل يوم الجمعة الماضي، فصلاً جديداً من فصول المشرق العربي، بكل ما تحمله الكلمة من معان. وبالرغم من انتشار الشريط بكثافة على شبكة «الانترنت»، إلا أن المعاني المضمرة في الخطبة بقيت من دون إضاءة عليها. ويكشف تحليل المضمون للخطبة والرسالة البصرية في ثناياها، وكذلك الرموز والإيحاءات والتوازيات التاريخية التي أضمرها الشريط واستحضرها بحرفية عالية، أن المنطقة مقبلة بالفعل على مرحلة تاريخية جديدة. أستمهلكم فقط الصبر على القراءة حتى نهاية المقال.

رمزية المكان

بُني الجامع الكبير الذي صوّر فيه الشريط على طراز العمارة الزنكية، نسبة إلى نور الدين بن زنكي، مؤسس الدولة الزنكية العام 1172 ميلادية. وإذ يبدو على المئذنة الشهيرة والمحدبة للجامع بوضوح تأثير العمارة السلجوقية، تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن محراب الجامع كان سابقاً ضمن الجامع الأموي في الموصل. للمحراب شريط من الخطوط المكتوبة بخط كوفي نقش على مهاد من الزخارف النباتية، وقوام الزخرفة فيه ثلاثة صفوف شاقولية من عقود صماء غير نافذة، يضم الصف الأوسط منها أربعة عقود متراكبة، ترفعها عدة أعمدة مندمجة. وبالعودة إلى مراجع تاريخية متنوعة، تكتشف تشابهاً مذهلاً يصل إلى حد التطابق بين حدود وخريطة الدولة الزنكية قبل تسعة قرون، وتلك الرقعة الجغرافية الممتدة من الرقة إلى الموصل والتي تسيطر عليها «داعش» الآن.
باختصار، الرسالة المقصودة من اختيار المكان مفادها أن «الخلافة» حقيقة تاريخية، وأن البغدادي هو امتداد تاريخي للفكرة الإسلامية السنية، وأن «دولة داعش» هي ذاتها الدولة الزنكية ولكن في سياق تاريخي آخر. وتتأكد المعارف والخبرات التاريخية، وتقترن بعقل مقتدر استطاع أن يجترح تركيباً معقداً للرسالة البصرية للشريط، إلى الحد الذي تحمل فيه كل تفصيلة معنى ورسالة في حد ذاتها.

الرسالة البصرية

تظهر في بداية الشريط خلفية سوداء كبيرة على وقع موسيقى همهمات المصلين مع عنوان بالخط الأبيض الصغير أسفل الشاشة: «تغطية خاصة لخطبة وصلاة الجمعة في الجامع الكبير بمدينة الموصل 6 رمضان 1435».
يبدأ الشريط بـ«الخليفة» يرتقي سلّم المنبر ناقلاً قدماً وساحباً الأخرى خلفها، لتشي لك بإصابة سابقة ما للخطيب أثناء الجهاد. وما إن يصل الخليفة إلى المنبر، حتى يستدير بهدوء في مواجهة المصلين واضعاً يده اليسرى فوق صدره قائلاً بصوت هادئ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم يجلس فلا يبين سوى رأسه في المشهد. يلفت الانتباه صوت المؤذن الجميل، وتنتقل الكاميرا بين المصلين فتراهم من الشباب من ذوي الملابس الرياضية أو الاعتيادية ولا وجود لا للعقالات أو لكبار السن بين المصلين، ما يعني أن شيوخ العشائر في الموصل وما حولها لم يقدموا الولاء للخليفة بعد. تبتعد الكاميرا الموزعة على ثلاث زوايا، أمامية ومن يمين وعلى يسار، ثم تعود لتركز على المنبر فترى علم «داعش» بجواره، بحجم يضمن حضوراً في الصورة، ولكنه لا يطغى عليها، أي بلا فجاجة بصرية. المقصود هنا رسالة مزدوجة مفادها أن يعتاد المشاهد على علم «داعش» وأن يعلم بانزياح بؤرة الأهمية التي أصبحت الآن «الخليفة» والخلافة، وليس «داعش» في حد ذاته. تخرج الكاميرا على وقع الأذان الجميل لتصور خارج المسجد، فترى المئذنة الشهيرة للجامع، وعلى يسارها نخلة ومن يمينها شجرة مزهرة بورود حمراء. صورة تليق ببطاقة بريدية شاعرية من أساطير ألف ليلة وليلة، ما إن ينتهي المؤذن، حتى يقوم «الخليفة» واقفاً لإلقاء خطبته.
يلفت انتباهك اللون الأسود الذي يرتديه «الخليفة» من رأسه إلى أخمص قدميه، على العكس مما يرتديه السلفيون والجهاديون السنة، الذين يفضلون اللون الأبيض. هنا تدفعك الصورة بحسم ونعومة إلى استحضار صورة السيد حسن نصر الله، صاحب الانتصارات. وكأن «الخليفة» يريد للمشاهد أن يستدعي صورة المنتصر في ذاكرته، المنتصر السني هذه المرة، أو كأنه يذكّر بالنسب القرشي الهاشمي الحسيني الذي يقول به، وهو أحد شرائط «الخلافة» حسب التراث الإسلامي السني. لحية «الخليفة» خطها الشيب وإن لم يشتعل فيها، بما يعني الوقار وليس التقدم في العمر. صوته رخيم ولا يصرخ في وجه متابعيه، بما يعني التمكين والهدوء والثقة التي تترسخ أكثر مع ضم راحة يده إلى صدره في فترات كثيرة من الخطبة. على العكس من السلفيين، يبدو في الشريط الاحتفاء المتقشف بزخرف الحياة الحديثة في الصورة: ساعة البغدادي التي يرتديها في يده اليمنى على طريقة بن لادن، والميكروفون أمامه والمروحة الطويلة في الخلفية. الأضواء في جوانب الصورة وخلفيتها على أعمدة الجامـع تشي بمهـندس ديكور ماهر، في شكل احتفالي متقشف. في نهاية صلاة الجمعة، خرجت الكاميرا مجدداً إلى الخارج والعدسة من نقطة واطئة لتظهر المئذنة بشموخ في الوسط بين نخلة على يمينها وشجرة فيها أزهار عن شمالها، لتأكيد الحالة الشاعرية والتناغم بين المكان والجامع والخـطيب. ينادي المؤذن للصلاة فيقف الخليفة إماماً، ومن ورائه مقاتلون بلحى كثيفة، يرتدون الجلابيب البيضاء غيّب فلتر الكاميرا وجوههم لاعتبارات أمنية. تلحظ البنادق الآلية مسنودة إلى جدار المسجد في الفراغ الـواقع بين الإمام والصف الأول من المصلين. يقرأ الخليفة الآيات القرآنية بصوت رخيم هادئ. تنسحب الكاميرا ويعود الظلام، والمصلون راكعون مع خـط أبيض صغير أسفل الشاشة: مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي.

تحليل مضمون الخطبة

بدأ «الخليفة» خطبته بحمد لله والاستغفار، ونطق الشهادتين والتشديد على طاعة الله. ثم يعرج على الحديث عن الصوم وشهر رمضان، ثم يستحضر الآيات التي تحض على القتال لإقامة الدين، والأخير يستلزم تحكيم شرع الله، فلا يكون ذلك إلا ببأس وسلطان. ولا يضيّع الخطيب وقتاً كثيراً في المقدمات لينفذ إلى المضمون المركزي للخطبة، أي «الخلافة»، فالله منّ على المجاهدين بنصر وفتح بعد سنين طويلة، فسارعوا إلى إعلان الخلافة وتنصيب إمام، وهو أمر غاب لقرون. الفكرة موجودة منذ مئات السنين وتجمع حركات شتى من الإسلام السياسي، بدءاً من «الإخوان المسلمين» وحتى «داعش».
استحضر الخطيب الفكرة ومعها الماضي العتيد والتليد، لغرض التنديد بالحاضر المزري والكئيب. تظهر طلاقة اللسان ونطق الحروف ببراعة والتشديد على مخارجها، بما يشي بتحصيل قدر من المعارف الدينية والشرعية. يستذكر الخطيب الآيات القرآنية الكريمة القائلة بالوعد الإلهي بنصر المؤمنين، منهياً بها الجزء الأول من الخطبة.
افتتح «الخليفة» الجزء الثاني من الخطبة بالنصر والفتح ونصائح بتقوى الله والجهاد في سبيله، استحضر مقولة سميه الخليفة الراشد الأول: وُلّيت عليكم ولست بخيركم ولكنه يقول فإن أخطأت فانصحوني، في حين قال الخليفة الأول فإن أخطأت فقوّموني. بلا مواربة يسحب الخطيب حق القوامة من المؤمنين، ويضع بدلاً منه حق النصح، وهو مضمون يشي بقدر عال من التغلب والإحساس به. واختتم الخطبة بدعاء معتاد، وأمر بإقامة الصلاة. لم تخرج مضامين الخطبة عن مضامين الخطاب الإسلامي عامة، وإن عكست تمتع الخطيب بقدر ليس بسيطاً من البلاغة والمعرفة الدينية. وخلت الخطبة من مضمون سياسي مباشر حيال الأحداث الجارية، لذلك كانت بمثابة تقديم عالي الحرفية لشخص «الخليفة» ولفكرة الخلافة، ستليه حتماً رسائل وخطب أخرى في المستقبل.

الخلاصة

يظل السؤال الكبير حاضراً، بالرغم من الرمزية والحرفية العالية للصورة برسم الإجابة: كانت الصلاة والخطبة بالجامع الكبير في الموصل واستمرت أكثر من عشرين دقيقة على الأقل، هي عمر الشريط، فكيف أمن الخطيب من قصف للجامع واستهدافه فيه في هذه الفترة الكبيرة نسبياً بالرغم من وسائل التنصت والأقمار الصناعية التي تنقل تضاريس مدينة الموصل وجوارها شبراً شبراً؟
السؤال الأقل حجماً وإن لم يكن أقل أهمية: كيف امتلكت «مؤسسة الفرقان» التابعة لتنظيم «داعش» هذه الحرفية العالية والتعقيد في الرسالة البصرية وتمتعت بذلك الحس التاريخي الكبير، بشكل يتصادم مع التجربة التاريخية للجماعات السلفية والجهادية المسلحة وشرائط تنظيم «القاعدة» قبل عشر سنوات المثال الأبرز على ذلك؟
في النهاية لا مفر من استحضار الحادثة التاريخية التالية: عند اتخاذ قرار تصفية «السلطنة العثمانية» قبل قرن من الزمان، كان استدعاء العروبة ممثلة وقتذاك في الشريف حسين القرشي الهاشمي الحسيني هو الآخر و«ثورته العربية الكبرى»، أمراً حتمياً لإخراج وإعداد وتأهيل سكان المشرق العربي للخرائط الجديدة والواقع المتشكل على أثرها. بدورها، فكرة «الخلافة» ليست طارئة على التراث الإسلامي، ولكن استدعاءها الآن من مخازن الذاكرة وتلميعها بمنتجات وتقنيات الحداثة يعني على الأرجح إعداداً وتأهيلاً مماثلاً لخرائط جديدة للمنطقة، باستخدام «مظلومية السنة» كحل ناجز وخشبة خلاص من واقع بائس ومعذب!

آخر تحديث: 15 فبراير، 2018 3:02 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>