سيرة سريعة لسوق النبطية خلال 300 عام

تشتهر النبطية بسوقها القديم الذي يتوافد اليه أهالي الجنوب من مختلف القرى والبلدات للتسوق. وبحسب الدارسات والأبحاث فإنّ عمر هذا السوق أكثر من ثلاثة قرون. هنا بورتريه لسيرة هذا السوق.

تشتهر النبطية بسوقها القديم الذي يتوافد اليه أهالي الجنوب من مختلف القرى والبلدات للتسوق. وبحسب الدارسات والأبحاث فإنّ عمر هذا السوق أكثر من ثلاثة قرون. هنا بورتريه لسيرة هذا السوق. 

 

يذكر العارفون أنّ النبطية التحتا كانت في أصلها تَجمُّع للنُّزل والخانات والإسطبلات، لِما كانت تُمثّله من عقدة مواصلات بين سوريا وفلسطين والساحل والجبل اللبناني.

وينقل المتابعون للشأن النبطاني أنّ ذِكر السوق وَرَد في مراجع ومصادرعدّة، فمنهم مَن يُرْجع بداية السوق إلى العهد المملوكي، ومنهم من يُرجعه إلى 400 سنة خلت، كما وجدتُ مَن يرجعه إلى بداية القرن الثامن عشر فقط.

هذا وقد ورد وصْف السوق في كتب الرّحالة الأوروبيين، ففي نهاية القرن الثامن عشر زارها الرّحالة الفرنسي (فولني (VOLNEY الذي كان قد ساح ثلاث سنوات في لبنان ومصر وبرّ الشام منذ العام 1783 ميلادي.

وكذلك فعل الرحالة والمبشّر الأمريكي (إدوارد روبنصون) في القرن 19، بعدما زار فلسطين ولبنان والأقطار المجاورة عام 1838، ثم عاد مرة أخرى عام 1852، وكتب واصفا النبطية: (وصلنا النبطية وهي قرية كبيرة في وادٍ فسيح … وفي النبطية سوق تجاري يُقام معرض فيه كل اثنين).

وإلى النصف الثاني من القرن 19 نجد الدكتور شاكر الخوري يصف السوق وأحوالها في كتابه “مجمّع المسرات”، مقدّرا مرتادي السوق بما يقارب 6 آلاف نسمة. كما أنّ العقود التي تُبرم فيها بين شارٍ وبائع تتجاوز 50 ألفا في اليوم الواحد.

يرى الباحث والناشط الثقافي علي حسين مزرعاني في كتابه “النبطية في الذاكرة” أنّ السوق المذكورة كانت تبدأ في صبيحة يوم الأحد، حين يتوافد التجار إلى الخانات تحضيرا لليوم التالي الذي يستمرّ حتّى عصر الإثنين.
وفي مطلع القرن العشرين، وتحديدا في أواخر أيام الدولة العثمانية، يكشف الباحث علي عبد المنعم شعيب في كتابه “مطالب جبل عامل” أحوال السوق وذلك نقلا عن جريدة “المرج” المرجعيونية الصادرة عام 1909، فيقرّر بأنّها “من أكثر الأسواق إجتماعا وتجارة، ويؤمّها الناس من ولاية بيروت وجبل لبنان وأطراف ولاية سوريا ويكاد مورد ارتزاق الأهالي في النبطية والجوار ينحصر بها”.

وقد أثقلها العثمانيون بالضرائب التي أرهقت كاهل التجار فيها، مع أن هذه الضرائب لم تكن مسجّلة في قانون ولم تشارك فيها النبطية أيّ سوق أخرى، ومن هذه الضرائب:

عشرون بارة من باعة الخضرة والتين والليمون عن كل فردة او سلة.

جرة صحيحة عن كل حمل من الجرار.

يؤخذ من المكارية 10 بارات عن كل حمار و20 بارة عن الفرس، وغرش واحد عن كل جمل.

غرش واحد عن كل طنجرة دبس أو زيت، صغيرة كانت أو كبيرة.

عشر بارات من كل إسكافي من داخل القضاء ومن خارجه 20 بارة.

غرش واحد عن كل حمل من باعة الحُصر والبابير

عشر بارات عن كل لوح او مورج للدراسة يرد من داخل الجبل، ومن خارجه 20 بارة.

يؤخذ من المكارية الذين يربطون دوابهم في ارض السوق عن الجمل والبغل والفرس 20 بارة.

يُؤخذ من تجار الغنم الكراد عند مرور قطعانهم بالنبطية عن كل قطيع رأس غنم واحد.

 

ومع مجيء الإحتلال الفرنسي ومن ثم زواله وقيام الدولة اللبنانية بحدودها الحالية، يصف لنا الأستاذ أبو بشار خليل توفيق ترحيني حال السوق في أواسط القرن العشرين، حين كانت موزّعة على أقسام:عدّة

1- سوق اللحم في مدخل البلدة (المنشية)

2- سوق القماش في ساحة آل الفضل

3-سوق الغلة في موقف ساحة مرجعيون

4- سوق الفخار والحدادين والنحاسين في حي الميدان.

وظلّت السوق محافظة على أصالة الأدب في جبل عامل، فكان التجار والباعة يأخذون ويعطون الشعر مع بعضهم البعض. ومما يُروى في هذا المجال، قصة الأديب سلام الراسي، الذي حضر إلى النبطية من بيروت قاصدا قريته إبل السقي، وتوجّه بالسلام على أحد رفاقه في الحزب الشيوعي بالنبطية فمرّ ببائع الخضرة أبي علي أحمد مرعي وسأله:

بكم الخيار لشاعر متزهّدِ

فأجابه من فوره

بالحمد خذ ما تشتهي يا سيدي

فبُهت سلام الراسي وقال: “هذا ليس غريبا على حاضرة الأدب والثقافة

آخر تحديث: 19 سبتمبر، 2017 1:39 م

مقالات تهمك >>