المسيحيّون وأزمة النظام في لبنان

دخلت البلاد في الفراغ الرئاسي، فيما يبدو الأمر عادياً لدى بعض اللبنانيين على طريقة الرئيس الراحل رفيق الحريري حين قال «إنّ البلد ماشي والشغل ماشي ولا يهمّك».

اعتاد تيار المستقبل أن يستبيح البلد، خاصة عندما تكون هناك حقوق للمسيحيين، مدعياً أنه يحافظ على المناصفة، لكن هذه المناصفة لا تحضر عندما يكون هناك النصف المسيحي في البلاد خارج السلطة ممثلاً برئيس البلاد، أي رئيس الجمهورية الذي سُلبت منه صلاحياته كلها لمصلحة رئيس مجلس الوزراء بطبيعة الحال، على يد سمير فرنجية التي خطت دستور لبنان بنداً بنداً، وهو ما يُسمّى باتفاق الطائف.

إذن، البلد ماشي، ومن دون رئيس جمهورية، ليطرح بعض تيار المستقبل سؤال: لماذا لا تنقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى رئاسة الحكومة! فهل تستقيم هذه الطروحات مع الميثاقية والدستور في ظلّ الفراغ في سدة الرئاسة الأولى؟ وما هي التداعيات على الوضع الداخلي برمّته؟

من المعروف أنه عندما يكون هناك فراغ في سدة الرئاسة بسبب تعقيدات في انتخاب رئيس للجمهورية وضعت خصيصاً عن سوء نية في الدستور، تنتقل صلاحيات الرئيس إلى الحكومة مجتمعة وليس إلى رئيس الحكومة، لذا يجب أن يتوقف هذا الفريق الذي يريد أخذ الصلاحيات بإجلال أمام ما سيحصل في البلاد إذا أقدم على خطوة كهذه، خاصة على أبواب انفجار سكاني وأمني نتيجة وجود اللاجئين السوريين في لبنان، إضافة إلى بعض الفلسطينيين، فلبنان المشرّع الأبواب قادر على ضبط بعض السيارات المفخخة، إنّما عاجز عن ضبط النازحين السوريين الذين قد يصل عدددهم إلى مليوني نازح، ما سيجعل عدد القادمين بعد سنوات أكثر من المقيمين وتتغيّر ديمغرافية هذا البلد ونضع عندئذ المسؤولية على حكومة سابقة.

يريدون اليوم سلب صلاحيات رئيس الجمهورية على نحو مخالف للدستور، وهم أنفسهم الذين كانوا يدعون إلى عدم المساس باللاجئين السوريين وعدم تنظيم دخولهم وفي نواياهم أهداف طائفية ومذهبية كثيرة لا تصبّ في مصلحة لبنان أو ميثاق لبنان، فلبنان التعايش الإسلامي المسيحي يندثر عند أول تعقيد فمن ينظر في هذا الأمر ومن يسعى إلى طائف جديد؟ وهل تعديل الطائف حلّ للأزمة الراهنة؟

إنّ تعديل الطائف مشكلة كبيرة للبلد إذ لا يقبل قادة المسلمين أن يعدل الطائف لمصلحة المسيحيين، وأي مسيحي لبناني عربي يريد الخير لوطنه لا يدخل هذه المتاهات، فما يريده المسيحيون ليس تعديل الطائف بل تعديل بعض مواد الطائف التي تشعر الناس بأنّ ثمة رئيساً للدولة فحسب، ولا يريدون أخذ صلاحيات رئيس الحكومة ولا رئيس مجلس النواب.

هناك من استباح البلاد طولاً وعرضاً، فيما نرى أنّ المسيحيين يعملون على التخفيف من آثار الأخطاء التي ارتكبوها، تحديداً لناحية مسؤوليتهم في الوصول إلى الفراغ.

إذا كانت هناك صلاحيات لا تعطى لرئيس الحكومة، مراعاة لموقع رئاسة الجمهورية، لا يمكن أن يلحق هذا الأمر مجلس النواب لأنّ التشريع لا يمكن أن يتوقف، ومن يحدّد المسائل الأساسية والكبرى في التشريع؟ لذا يجب الاتفاق على أمر ما، وانتخاب رئيس للجمهورية مع تشريع مقبول ومعروف للجميع وبطريقة لا تمسّ صلاحيات رئيس الجمهورية مع توقيع نصف الحكومة زائداً واحداً على جميع القرارات، وهذا يمكن أن يعيد اعتبار المسيحيين مجدداً بحيث يشعر الجميع أن عليه أن ينتخب رئيساً للجمهورية وأن لا يتعوّدوا على الفراغ وعلى عدم وجود رئيس.

يجب أن تحصل هبّة إيجابية للمسيحيين تتلاقى مع هبّة إيجابية من المسلمين لوقف هذا الانسياب من صلاحيات الرئاسة، علماً أنّ الفراغ قد يستمرّ وقتاً، وهذا أمر خطير.

يبدو من معظم المؤشرات المحلية والإقليمية والدولية أنّ الفراغ سيطول ويظهرعملياً أن لا رئيس للجمهورية في لبنان، فالخلافات مستحكمة، وتيار المستقبل يكذب على العماد ميشال عون، ونأمل من العماد عون ألاّ يصدق تيار المستقبل، وللعماد عون مصلحة في أن يصدّق، أما تيار المستقبل فيريد الإقناع بأنه سينتخب عون رئيساً للجمهورية، لكنه يريد في الحقيقة سلخه عن حليفه حزب الله وعن ناسه وشعبه فحسب.

في ظلّ هذا الفراغ على الساحة الداخلية، هل ثمة دور ما للخارج في صناعة حلّ يملأ الفراغ الداخلي؟

هذا الفراغ الداخلي يواكبه فراغ إقليمي ودولي يتجلى في بناء الآمال على حوار إيراني ــ سعودي مرتقب، لكن لا يبدو في الأفق أنّ هذا الحوار سيصل إلى نتيجة، وبالتالي سينعكس ذلك على لبنان ليضع ملف الاستحقاق الرئاسي على رفّ التفاوض الإقليمي والدولي مجدداً. واستمرار هذا الواقع طويلاً سيرتب تداعيات خطيرة على لبنان والمسيحيين، بحيث لن يكون بعد اليوم اجتماع في لبنان في حاجة إلى المسيحيين، وعندئذ لن تنفع لا مناصفة ولا مثالثة، وبالتالي نغدو في حاجة إلى صيغة جديدة وميثاق جديد وطائف جديد وعقد اجتماعي وسياسي جديد ويجب أن ينظر إلى ذلك بجدية.

التداعيات خطيرة على الوضع الداخلي برمته إذا بقيت الأمور على حالها، يجب أن تبقى الحكومة مجتمعة ولا يقاطع أحد جلساتها لإمرار المراسيم المهمة بالاتفاق بين الأطراف السياسية، كأنّ هناك حكومة عادية تأخذ القرارات بالتصويت، علماً أنّ صلاحيات الرئيس لا تنتقل إلى رئيس الحكومة بل إلى الحكومة مجتمعة، لذا يعتبر رئيس الحكومة رئيس حكومة عادياً لا أكثر ولا أقلّ.

 

آخر تحديث: 4 يونيو، 2014 3:21 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>