باسيل: لبنان برسالته رأس حربة ضد الارهاب

ألقى وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل كلمة لبنان في الدورة السابعة عشرة للمؤتمر الوزاري لحركة عدم الانحياز، والتي تستضيفها الجزائر من 26 إلى 29 أيار الجاري، تحت شعار “تعزيز التضامن من أجل السلم والرفاهية”، والتي شارك فيها أكثر من 60 وزيرا للخارجية، ومندوبون من 120 دولة من أعضاء الحركة والمراقبين.

وجاء في كلمة باسيل: “أتوجه بالشكر العميق إلى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لاستضافتها هذا الاجتماع الوزاري، كما أعرب عن تقديري للأداء الذي طبع عمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في رئاستها للدورة الماضية ولإدارة المناقشات التي أدت إلى مسودة البيان الختامي الذي نحن بصدد اعتماده. إن لبنان هو بلد مؤسس لحركة عدم الانحياز وهو ملتزم بمبادئها الأساسية النابعة من التمسك بالاستقلال الوطني وبالحق في مقاومة الاحتلال وبحماية سيادة الدول على ثرواتها الطبيعية وبعدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وبعدم استخدام القوة. وتأكيدا على ذلك فإن سياسة الحكومة الحالية في لبنان هي عدم الانحياز وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية دون أن يعني ذلك حيادا في مقاومة الاحتلال أولا ومكافحة الإرهاب ثانيا”.

اضاف: “إن المبادئ والقواسم المشتركة التي جمعت ما بيننا عليها أن تكون الحافز لتجميع جهودنا من أجل إعادة الحياة إلى منظمة الأمم المتحدة بهدف إصلاحها وإعادتها إلى الدور الذي كان مخططا لها، ألا وهو الدفاع عن العدل ونشر ثقافة السلم وتعميم مبادئ الأمان. فلا سلام من دون عدل وعدالة، ولا عدالة في ظل الغبن والقمع والاحتلال. والسؤال الأساسي في اجتماعنا اليوم هو: هل يمكن لمجموعتنا، من خلال تضامنها من أجل السلام والازدهار، وهو عنوان مؤتمرنا، أن تحقق أهداف العدل والسلام؟ وهل بإمكان لبنان، بلد الرسالة، رسالة العيش الواحد بين الأديان والحضارات، رسالة الانفتاح والتعاون بين الدول، أن يساهم في تحقيق هذا الأمر؟ جوابنا على ذلك إيجابي حتما”.

وتابع باسيل: “لبنان هو نقطة التقاء الثقافات وهو جسر العبور بين الحضارات وهو مساحة تواصل بين الأديان والجماعات، وهو نقيض الفكر الظلامي والنهج الهمجي، ورسالته هي الرسالة. إنها رسالة الإنسانية الداعية إلى التسامح والانفتاح وقبول الآخر واحترام خصوصيته. ورسالته هي رسالة التآخي في وجه الذين ينادون بالبغض والاقتتال وحذف الآخر. وإذا كان لبنان لا يستطيع القيام بهذا الدور في مجموعتنا، فمن يستطيع القيام به؟ إن لبنان ملتزم بالشرعية الدولية لا سيما قرار مجلس الأمن 1701، بما يعنيه من تثبيت لقواعد الاستقرار والأمن وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ولكن بما يعنيه أيضا من انتقال من وقف للأعمال العدائية، مرورا بوقف شامل لإطلاق النار ووصولا مرتجى إلى سلام عادل ودائم”.

وقال: “لبنان هذا يطالب المجتمع الدولي، وفي سبيل إحقاق العدل والسلام، بوقف تماديات واعتداءات اسرائيل بانتهاك سيادته أرضا وبحرا وجوا. ولبنان هذا، وانطلاقا من حرصه على تعاون جيشه مع قوات حفظ السلام، الـUNIFIL، يدعو إلى مساعدة جيشه من خلال المؤتمر الدولي المقرر عقده في روما في 17 حزيران القادم، مساعدة لا تفضي فقط إلى حسن تطبيق الـ1701، بل تفضي أيضا إلى مكافحة الإرهاب الذي هو خطر يتهدد كل دولنا. دعم الجيش اللبناني يهدف أيضا وأيضا إلى قيام الدولة القوية في لبنان، والتي لا ينازعها في قوتها شريك داخلي أو خصم مغتصب خارجي، حيث يؤكد لبنان على قدرته الفعلية على تحرير أرضه المحتلة ولا سيما تلال كفرشوبا ومزارع شبعا وشمال قرية الغجر وعلى حفظ ثروته النفطية والمائية وحماية حدوده البحرية والبرية بوجه قوة الاغتصاب الإسرائيلية، وذلك بفضل معادلات القوة المنبثقة من حقه في مواجهة الاحتلال. لبنان هذا يحث المجتمع الدولي على دعمه ودعم مؤسساته الحكومية دعما فعليا لا كلاميا من خلال مجموعة الدعم الدولية التي أنشأت صندوقا إئتمانيا بهدف تمكينه وتمكين مؤسساته الرسمية من تحمل الأخطار المباشرة المحدقة به، ولا سيما أخطار تدحرج الأزمة السورية إلى أراضيه”.

واشار باسيل الى ان “لبنان الذي يجمعه بسوريا تاريخ وجغرافيا وقربى هو أكثر من يتأثر بأزمتها. وانطلاقا من حرصه على وحدة سوريا وعلى الدولة في سوريا، وانطلاقا من تمسكه باستقلاله وسيادته، فقد حيد لبنان نفسه عن الصراع الداخلي في سوريا لكي يساهم إيجابا في مسيرة حل هذه الأزمة، وهو ينادي بقيام نظام سياسي في سوريا منبثق من إرادة الشعب السوري نتيجة عملية ديموقراطية يحدد خلالها أهل سوريا صيغة الحكم وشكل النظام وأسماء الحكام. إلا أن لبنان، وبإظهاره إنسانية إستثنائية واستضافة غير مسبوقة، فتح حدوده للنازحين السوريين، ولكنه حظي فقط بتقدير دولي كلامي دون أن يرقى هذا الإعجاب إلى مساهمة مادية فعلية من المجتمع الدولي المعني والمطالب بتقديم الدعم المباشر إلى مؤسسات الدولة اللبنانية. لبنان أصيب بتغيير ديموغرافي جسيم وصل إلى حد تكوين نصف عدد سكانه من غير اللبنانيين: ثلث عدد سكانه هم نازحون سوريون وثلث الثلث هم من اللاجئين الفلسطينيين، حتى أصبحت كثافته السكانية (550 نسمة في الكلم2)، الأعلى في المنطقة ومن الأعلى في العالم”.

وقال: “لبنان أصيب أيضا نتيجة النزوح السوري بخسارة اقتصادية مباشرة حجمها 7.5 مليار دولار ولامست نسبة البطالة فيه الـ30%، وزاد عدد التلامذة فيه بنسبة 60%، وزادت نسبة الفقر فيه، وزاد استخدام الخدمات فيه من ماء وكهرباء وصحة أضعافا أضعاف، وانتشرت الأمراض والأوبئة وزاد الخلل في نسيجه الاجتماعي الدقيق والحساس، وارتفعت نسبة الجريمة على أراضيه وضاقت سجونه بـ30% زيادة على عدد نزلائها. إن لبنان هذا قد أصبح مهددا في رسالته وهويته وكيانه وكينونته ووجوده حتى، لذلك أصبح لزاما على حكومته أن تضع ما وضعته في جلستها الأخيرة من سياسة رسمية توجيهية بالنسبة لنزوح السوريين، سيما وقد بينت الدراسات أن 42% منهم يأتون من مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن الحدود اللبنانية. وتقضي سياسة الحكومة باعتماد:
– أولا: وقف تدفق النازحين السوريين
– ثانيا: تناقص أعدادهم النازحة والموجودة في لبنان
– ثالثا: عودة النازحين الاقتصاديين إلى بلادهم، سوريا، عودة كريمة وآمنة
– رابعا: إيواء من تبقى من النازحين في تجمعات سكنية آمنة، داخل سوريا أو في المناطق العازلة بين الدولتين
– خامسا: عودة كل النازحين السوريين والفلسطينيين في سوريا إلى ديارهم عودة نهائية

اضاف: “إن لبنان المعافى والقوي والمحافظ على رسالته الإنسانية يمكنه المساهمة في حل القضية الفلسطينية حلا عادلا وشاملا مبنيا على القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية وتأكيدا على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم إنطلاقا من الشرعية الدولية واستنادا إلى رفض التوطين الثابت في الدستور اللبناني. ولبنان في تعدديته هو نقيض الدولة الأحادية في اسرائيل. لبنان هذا هو عنوان للسلام بينما اسرائيل تلك هي عنوان للحرب، وأي جهد دولي، كي يكون ناجحا، يجب أن ينصب في اتجاه إحقاق العدل إحلالا للسلام، سلام يجعل من منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل، بينما لا تزال اسرائيل، ومنذ عام 2012، تؤخر انعقاد مؤتمر دولي بهذا الخصوص حتى لا تنضم محرجة إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT. السلام هذا الذي يريده لبنان هو في مواجهة الإرهاب الدولي المعولم فكرا وإيديولوجية وتنظيما، فيما تقوم اسرائيل بممارسة إرهاب دولة منظم ومقونن. وحيث أن الإرهاب لا دين ولا طائفة ولا مذهب ولا جنسية له، فإن لبنان برسالته ونموذجه وتكوينه وبكل أطيافه ومكوناته هو رأس حربة ضده، وهو يقوم بالنيابة عنكم جميعا بمكافحته ومحاربته. فإن سقط لبنان أمام الإرهاب، سقط مفهوم عدم الانحياز للباطل، وإن نجح لبنان، ساد مفهوم الانحياز للعدل والسلام.

وتابع: “إذ نحن في العام 2014، لم يعد ينفع منطق تجنب الكوارث والأزمات منطقا للتقدم والتطور، بل أصبح العالم بحاجة إلى رقي إنساني وازدهار اقتصادي لكي ينتقل من السلبية إلى الإيجابية. هذه ما هي عليه أهداف الألفية للتنمية وهذا ما دفعنا إلى تقديم ترشيحنا في العام 2015 لشغل مقعد في المجلس الاقتصادي والاجتماعي ترسيخا لقناعتنا المنبثقة من مبادئ دول الحركة الداعية إلى تحقيق التنمية المستدامة، ونرى في دعمكم لترشيحنا دعما يهدف إلى تحسين الشراكات ما بين الجنوب والشمال وما بين الجنوب والجنوب، وصولا إلى النمو المستدام. ولكي لا تكون العولمة سبيلا لقضم الكثير من دور الدولة الاقتصادي ولتقليص هامش الدولة في الاقتصاد الوطني فإننا نقدم ترشيحنا هذا على أنه ينصب في منطق التعاون والتعاضد والتضامن ما بين دولنا لأننا نبدي مصلحة الجماعة من ضمن الدولة على مصلحة الفرد من ضمن الجماعة”.

واردف: “في الختام، إن لبنان الصغير حدوده العالم بفضل أبنائه المنتشرين، وهو، بفضلهم وبفضل رسالته، أصبح نقطة نور مضيئة على كل دول العالم؛ وهو يعيش في ظل ديمقراطية توافقية نأمل ونعمل لأن تتحول إلى ديمقراطية تشاركية تنبثق منها كل السلطات الدستورية بالتساوي والإنصاف، وعلى رأسها، وفي أسرع وقت، رئاسة الجمهورية اللبنانية والتي من دونها لا وجود للدولة ولا معنى للبنان الرسالة. وما من مغزى لوقوفي هنا أمامكم لمطالبتكم بأي موجب تجاه لبنان إذا لم يقم اللبنانيون بموجباتهم تجاه بعضهم وتجاه وطنهم. ومن هذا المنطلق، أنقل تحيات لبنان إلى دولكم وشعوبكم ولاسيما أبنائكم المتحدرين من أصل لبناني، آملا أن تحملوا إلى لبنان، دولة وشعبا، كل المستطاع من قبلكم حتى يبقى لبنان وتبقى رسالته.”

آخر تحديث: 28 مايو، 2014 5:14 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>