نعم لمؤتمر تأسيسي يرضي الشيعة ويوقف تسليحهم

نعم لمؤتمر تأسيسي، يعطي الشيعة اللبنانيين حقوقهم السياسية ويجعلهم شركاء في القرار كما باقي الطوائف، تمهيدا لوقف تسليحهم وجعلهم كما باقي مكوّنات الشعب اللبناني، تحت سقف الدولة وتحت سقف القانون.

برز على الساحة السياسية اللبنانيّة منذ أسابيع طرح صادر عن قوى 8 آذار ومفاده ان لبنان بحاجة الى “مؤتمر تأسيسي”.

وقانونا قرأنا، انه عندما يلتئم مجلس النواب من أجل تعديل الدستور يصبح “هيئة تأسيسية” والمفهوم من مصطلح “مؤتمر تأسيسي” المطروح حاليا انه مؤتمر يعقده الأقطاب في لبنان من أجل الاتفاق على تعديل بنود في الدستور، أي دستور الطائف.

والمعروف انه مع تعديلات الطائف الدستوريّة، انتقل اللبنانيون من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني استجابة لمطلب المشاركة، غير ان ذلك كرّس المحاصصة الطائفيّة في اطار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

ومع ان اتفاق الطائف نص على إنشاء هيئة خاصة للعمل على إلغاء الطائفية السياسية على مراحل، فإن الواقع حاليا هو مزيد من تثبيت لركائز تلك الطائفيّة بسبب استساغة زعمائنا لمكاسبها الماديّة والمعنويّة لهم، وطغيان الروح الفئويّة على الروح الوطنيّة لدى شرائح الشعب اللبناني.

هذا وقد برزت تصريحات ومواقف تستنكر التعرّض للدستور أجمع عليها المسيحيون وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وكانت المناصفة هي بيت القصيد، لأن عقدة الأقليّة هي المهيمنة دائما على الخطاب المسيحي السياسي، والخوف من التهميش بفعل تناقصهم العددي وزيادة عدد المسلمين بات هاجسهم الرئيسي، من البطركيّة المارونيّة وحتى آخر مسؤول سياسي فيهم. وهم غير واعين ان “عقدة العدد” تلك المستحكمة بحركتهم السياسيّة يمكن ان تودي بهم فعلا الى التهميش والإقصاء، وان اندماجهم بقضايا المنطقة والعودة الى الشعارات الجامعة كما فعل مسيحيو القرن الفائت الذين انخرطوا في المشاريع الوطنيّة والقوميّة وكانوا أعلامها، هذا الاندماج لا العزل “الأقلوي”، هو خشبتهم الوحيدة للخلاص.

وكذلك فإن المسلمين السنة وعلى رأسهم تيار المستقبل استنكروا ايضا التعرّض للطائف عن طريق التفكير بعقد مؤتمر تأسيسي من شأنه تعديل الدستور، فهم يعتبرون كما هو شائع عندهم ان الطائف مكسبهم الأكبر الذي يجب “ان يعضوا عليه بالنواجذ” لأنه عزّز من صلاحيات رئيس الحكومة السني وجعله في موقف قوي كرئيس للسلطة التنفيذيّة الأوسع نفوذا بعد تعديلات الطائف وانتقال صلاحيات رئيس الجمهورية اليها.

لكن في المقلب الاخر، وبعيدا عما يطرح من ‘مثالثة’ بدل ‘المناصفة’، ألم يقل الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط منذ أشهر قليلة ان طرح نزع سلاح حزب الله يستوجب تغيير في هيكليّة النظام وأقلّه تعديل دستور الطائف؟

أما لماذا قال جنبلاط ما قاله، فالأمر يجب افهامه للجميع، والواقع ان الطبقة السياسيّة كلّها تفهم، ولكن لم تصرّح كما صرّح زعيم الجبل المعتاد على الصراحة ولو في أحلك الظروف. فالحقيقة باختصار هي ان الطائفة الشيعية غبنها اتفاق الطائف ودستوره، وجعلها بموافقة سوريّة وبمباركة سعوديّة، وبرعاية دوليّة، مهمّشة خارج السلطة التقريريّة التنفيذيّة، فرئاسة السلطة التشريعيّة التي احتفظوا بها، لا تغني عن أيّة ضمانات دستورية كان يمكن ان ينالوها فترضيهم وتحفظ حقوقهم كما باقي الطوائف الكبرى.

وبالعودة الى تصريحات زعماء الطائفة الشيعيّة قبل ربع قرن تقريبا، يظهر انهم رفضوا تعديلات دستور الطائف حينها، وعلى راس هؤلاء الزعماء الروحيين الامام الراحل رئيس المجلس الشيعي الشيخ محمد مهدي شمس الدين والامام الحالي نائبه الشيخ عبد الأمير قبلان، اضافة لعدد من المسؤولين المقربين من الرئيس نبيه بري. ثم قبل بها جميع هؤلاء على مضض من أجل “انهاء حال الحرب والعودة الى اللحمة الوطنيّة”، مع انّ الضريبة كانت غالية دفع اللبنانيون جميعا ثمنها، اذ ان الشعور بالغبن هذا لدى الطائفة الشيعيّة حوّلها برمتها الى طائفة مسلّحة مقاتله، رفضت تسليم سلاحها بعد تحرير أرضها عندما حرّر جنوب لبنان عام 2000، بل زادت من تسلّحها باشراف السوري والإيراني اللذان أدركا جيّدا ان الشعور بالغبن في الشراكة لدى هذه الطائفة من شأنه ان يبعدها عن الدولة الجامعه، ويجعلها تتعلّق بالسلاح الذي تستطيع بواسطته تحصيل حقوقها وزيادة عليها من حصص وحقوق باقي الطوائف، ولو ان هذا السلاح اصبح غرضه الأساسي استثماره في نزاعات اقليميه يستفيد منها الراعيان الحليفان في دمشق وطهران، وهذا كان قد ظهر جليا في حرب تموز 2006، و كذلك في تدخل حزب الله في سوريا لصالح نظام الرئيس الأسد كما هو حاصل حاليا.

لذلك نقول: نعم لمؤتمر تأسيسي، يعطي الشيعة اللبنانيين حقوقهم السياسية ويجعلهم شركاء في القرار كما باقي الطوائف، تمهيدا لوقف تسليحهم وجعلهم أسوة بمكوّنات الشعب اللبناني، تحت سقف الدولة وتحت سقف القانون..

آخر تحديث: 24 مايو، 2014 10:12 م

مقالات تهمك >>