من مثال الدولة إلى المقاومات الاجتماعية

نميل عموماً إلى قياس الدولة المحققة في بلداننا إلى نموذج معياري عالمي، يبدو متحققاً في بلدان الغرب، وتتلخص سياستنا تالياً في وجوب مطابقة النموذج العالمي والتماثل معه. كيف؟ بأن نتصور أن مشكلاتنا الحاضرة نتاج نقص أو غياب (نقص تبنيُن المجتمع، غياب الدولة الأمة، غياب الديموقراطية، غياب الطبقة العاملة أو البورجوازية، نقص العقلانية أو غيابها…)، ونسعى وراء اكتمال الناقص أو حضور الغائب. مشكلة هذا التصور أنه ينطلق من المثال الواجب بلوغه، وليس من واقع مفحوص بعناية، أو من صراعات فعلية لا يبدو أنها تسير بخط مستقيم نحو هذا المثال.
ليس هذا مسلكاً فكرياً أو سياسياً جديداً في عالم العرب المعاصرين، وهو يقود على نحو متكرر إلى ظهور تيارات تفكير ومجموعات سياسية تعرّف نفسها بالأهداف الأخيرة التي تتطلع إليها، لا بفاعليتها الفكرية والعملية المتجددة. هناك استراتيجية فكرية سياسية راسخة، تضمن دوام هيمنة هذا المسلك: عقيدة التأخر التاريخي، وتجاوز التأخر كمطابق مع مثال ناجز. واستناداً إلى هذه الخطة، يجرى تصور النشاط العملي انطلاقاً من الهدف المتصور، الأمر الذي يجعل عملنا تطبيقاً لفكرة سابقة عليه ومستقلة عنه، وتفكيرنا مثالياً، وتصورنا للتاريخ مغلقاً، وثقافتنا سياسة، وسياستنا تعبئة. نظن أننا نفعل مثل الغرب، لكن الغرب يفعل غير، ولا يفعل مثل.
ومثل هذا التكوين هو ما ينعكس في ضيق أكثرنا بأي نقد للمثال المفترض بذريعة أننا متأخرون عنه. وعدا أن في ذلك تضييقاً تعبوياً لأفق التفكير، فإن ثلاثة أجيال وأكثر من هذه الاستراتيجية لم تقد إلى «تجاوز التأخر»، بل إلى تدهور مركّب ومتعدد المستويات. «المثال» لم يتوقف في انتظارنا، وبينما عيوننا مثبتة عليه، كان قد صار في مكان آخر.
ترى، ألا يُحتمل أن تعثرنا الفكري والسياسي المستمر مرتبط بهذه المثالية المعندة؟ هذا ما نراه.
بدل تصور مثال عالمي كامل أو متطور، تشكل الدولة عندنا نموذجاً «ناقصاً» أو «متأخراً» عنه، نميل بالعكس إلى تصور الدولة عندنا كدولة «كاملة»: قوة مسلحة تمارس عنفاً بلا حدود ضد سكان تستعمرهم. دول العالم الأخرى ليست نموذجاًً مختلفاً، فهي بدروها وكالات عنف، تمارس إكراهات مختلفة، منها ما هو عنيف وقاتل، لكن تتحدد كلها بالمقاومات الاجتماعية التي تواجَه بها. ليست هناك ذاتية خاصة بالدولة تجعلها منضبطة وقانونية «شرعية» مرة، وعدوانية وغير شرعية مرة أخرى. والعنف الشرعي الذي عرّف ماكس فيبر الدولة باحتكاره، هو محصلة توازنات متغيرة، وليس معطى ثابتاً لا يتبدل. كان الإعدام من عنف الدول الشرعي، وهو في كثير منها لم يعد كذلك. ولا يبعد أن ينعكس المسار يوماً إذا تفجرت في تلك الدول أزمات ثورية. تظهر الدول على «طبيعتها» في أوقات الثورات والأزمات الكبرى، حين تواجَه بمقاومات لم تألفها، وليست لها حلول عادية. تلجأ إلى العنف المطلق، وإلى الاستعباد.
الدولة الأسدية في سورية على نحو ما ظهرت في الثورة، هي الدولة في كل مكان من العالم، عصبة مسلحة عنيفة تتعامل مع السكان كعبيد أو أتباع. في بنية الدول في كل مكان من العالم استعداد مماثل، ولعله لذلك بالذات تجري المحنة السورية المتمادية أمام أنظار عالمية لا تكاد حتى تتعاطف. الدول لا قلب لها، وكلام الدول على حقوق الإنسان أداة لسياستها الخارجية لا أكثر ولا أقل.
الدول الأخرى «ناقصة»، لا تستطيع أن تفعل ما يفعله النظام الأسدي، لكن ليس لأن لها جوهراً مغايراً، وإنما بفعل شروط اجتماعية وسياسية وفكرية تشكلت تاريخياً، تحول بينها وبين أن تتبع غرائزها العنفية والاستعبادية. ليس بين الدول ما لها غريزة مغايرة. ما يختلف هو «تربية الدولة»، أو ترويضها. الدول كلها وحوش كاسرة، وتبقى جميعها من دون استثناء كاسرة حتى اليوم، لكن بعضها تروّض بمقدار وبعضها غير مروض. وهي كلها أيضاً مقاومة للترويض، ويحصل أن تتعثر العملية أو تسجل تراجعات، وتتوحش الدولة أكثر بعد أن كانت قبل حين أقل توحشاً. النازية الألمانية مثال بين أمثلة كثيرة. لكن ليس بين الدول ما ولد دولة قانون ومؤسسات شرعية.
وما يتعين أن يشغل الأولوية في هذا المنظار ليس مثال الدولة المغاير، بل فاعلية الترويض. هو المقاومات الاجتماعية والسياسية والفكرية ضد العصبة المسلحة التي هي الدولة.
لا نقول في حال إن الدول مثل بعضها بعضاً، هذا موقف عدمي يتنكر للفاعلية البشرية والتراكم التاريخي، ويؤول عملياً إلى الإرهاب. إرهاب كان يسوّغ نفسه في أوروبا قبل أقل من جيلين بوجوب دفع الدولة إلى السفور عن وجهها الإجرامي. ما نقوله إن الدول كلها مصنوعة من المكونات نفسها، مثلما تتكون العناصر الكيماوية كلها، من الهيدورجين إلى اليورانيوم، من الإلكترونات نفسها والبروتونات نفسها والنترونات نفسها. ما نقوله أيضاً إن فشل الدول المتزايد في إقليمنا هو فشل للدولة، لنموذج الدولة في العالم. وستكون له آثار عالمية حتماً. منذ الآن نرى الدول الأوروبية تنصب أسواراً عالية في وجه اللاجئين السوريين. من هم داخل الأسوار صاروا أكثر أمناً. فهل سيبقون أكثر حرية؟ سنرى.
ونقول في ما يخص أوضاعنا المعاصرة بوجوب التحول من مركزية المثال إلى مركزية أفعال المقاومة والترويض الاجتماعية والسياسية والفكرية، هنا والآن.
بدل الدعوة إلى المثال الديموقراطي مثلاً، نعترض على أفعال العدوان والجور هنا والآن، ونعمل على وضع قواعد وبناء أوضاع تحول دونها. وبدل مثال اشتراكي في وقت سابق، نقاوم هنا والآن ممارسات التمييز والإفقار، ونعمل من أجل أوضاع أكثر عدالة. ونعيد بناء حركاتنا السياسية ومثلنا التحررية انطلاقاً من عمليات الصراع الفعلية. أقدامنا على الأرض، لكن نتحرك في آفاق مفتوحة في كل حال.
يلزم أكثر من كل شيء آخر التخلص من المنظور التاريخاني الذي يُعرِّف الواقع المعاش بمستقبل مستشرف، محقق في الغرب. الأقدام في الهواء، لكن الأفق مغلق، وفقاً لاستراتيجية تجاوز التأخر هذه التي بلورها الأستاذ عبدالله العروي. إنها استراتيجية امتصاص «الصدمة الغربية» (بتعبير هشام جعيط) عبر تحويلها إلى تأخر تاريخي يجرى العمل على تداركه بالفاعلية الإيجابية للمثقف والسياسي. لكنْ نرى أن هذه الخطة المستبطنة في عمل المثقفين في العالم العربي، كلهم تقريباً، قادت إلى تفاقم التأخر وتحوله إلى بؤس مقيم. لقد حصلنا فعلاً على ارتسام البنية الاجتماعية للفكر الوافد في أفق مجتمعنا، كما يقول العروي، لكن حصل ذلك على شكل «عالم أول داخلي»، هو الذي يتصرف كعصابة مسلحة اليوم في مواجهة احتجاجات العامة المفقرة والمحتقرة، بينما «العالم الأول الخارجي» يرقبه بابتهاج خجول.
أعتقد أن هناك علاقة ضرورية بين تركيز العقل في مثال للدولة أو للحزب، يجرى التطلع إليه، ويؤتمن عليه المثقفون والسياسيون، وبين إشغال هؤلاء المؤتمنين المواقع العليا في نظام المجتمع، يتحكمون بغير العاقلين، ويحرسون الأوضاع التي تكفل استمرار «العقل»، والسلطة، محتكرين بأيديهم.
يلزم بقوة أكبر التحول من تصور السياسيين والمثقفين وكلاء للتقدم (أو الحداثة أو العقل…) إلى تصورهم مكافحين ضد التمييز والاستعباد، هنا والآن ودوماً، وليس في مستقبل مستشرف. والتحول تالياً من التعبئة حول هدف نهائي سبق تصوره، إلى التضامن من أجل عمل مشترك، ومن أولوية المستقبل إلى أولوية الحاضر. وعلى مستوى التنظيم التحول من الحزب/ الهدف إلى المنظمة/ العمل.
في المجمل، التحول من المثالية والمجرد إلى الواقعية والفاعلية الحية. لا نريد المزايدة على الأستاذ العروي، لكن هذا ما يمكن أن يكون نقلة في التفكير توافق روح الحداثة.
والنقد الواجب للمثالية في تفكيرنا الاجتماعي والسياسي يمر عبر نقد هذا الضرب من المثالية الحداثية التي لا تقل أثراً سلبياً عن المثالية الدينية، ولو لأنها تعرض نفسها كبديل بديهي، بينما هي في الواقع انغلاق بديل.

آخر تحديث: 9 أكتوبر، 2017 1:37 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>