هاني فحص يقترض الشعر كعائد إلى وطنه

في كتابه الجديد "اقتراض الشعر لا قرضه" الصادر عن دار سائر المشرق، يطرق السيد هاني فحص أبواب الشعر والشعراء ويدخل بيوتهم دخول صاحب البيت لا دخول الضيف. فمثله لا يحتاج إلى دعوة أو إلى استئذان لأنه من أفراد الأسرة الشعرية ولئن اختار أخيراً بيته النثري راضياً مقتنعاً، خشية أن يتحول "إلى تقني بما تعني التفاتة أحياناً من برودة" حسب قوله.

النثر الذي كتبه السيد هاني فحص في كتابه الجديد “اقتراض الشعر لا قرضه” فتح جديد في لغة العرب له خصائصه الفريدة التي جعلته حقاً منافساً خطيراً للشعر في عقر داره ومن صاحبه شيخ طريقة عصيةٍ على التقليد والاستنساخ يحسده عليها أهل الشعر أنفسهم. فإذا هي أشد حسرة في نفوس الشعراء من حسرة حتى في نفس جدنا اللغوي سيبويه!

وهذا الكتاب في نظر السيد هو الأعز لديه من بقية مؤلفاته السابقة والأقربُ إلى نفسه، قرب حبل الوريد إليه، على الرغم من صعوبة التفاضل وقسوة الخيار. ولكنها الحقيقة المؤلمة كألم انفصال التوأم عن توأمه وانفصال الولد عن والده في لحظة رفع الفأس لشق جذع اللغة نصفين هما الشعر والنثر وكأنهما كل في فلك يسبحون.

إن إيثار السيد لهذا الكتاب دون سواه دليل دامغ على مكانة الشعر في نفسه. وعلى أن كلام الجمر أهمّ من قوانين العروض ومن مفاهيم النقد ومذاهب المتكلمين بأجمعهم إذا نطق بلسان القلب من دون رقيب خارجي، ومن دون خوف من خلايا القمع النائمة أو شبه النائمة داخل الكتّاب وهم يعون او لا يعون.

إذاً لا ضرورة هنا إلى مساءلة السيد عن عدّته النقدية وعما في كيسه من أدوات التشريح ومباضع الجراحة على اختلاف حجومها وأنواعها. ولا ضرورة كذلك إلى الركض يميناً وشمالاً أو الإتيان من خلف ظهره أو من بين يديه، لجمع الأدلة على هذا المنهاج أو ذاك من مناهج النقد القديمة أو الحديثة، على غرار ما يسمّى بالأدلة الجنائية التي يسعى المحققون إلى جمعها من مسرح الجريمة. وشتّان بين هذه وتلك.

إن السيّد باختصار يأبى أن يكون أسير النظريات الأدبية، التي سرعان ما تتحول إلى قيود تكبل يدي الناقد وترفع السواتر الأسمنتية أمامه فيرتد الطرف كليلاً حين لا بد من فتح العينين على اتساعهما لخرق الحجب واستشراف الآفاق.

ومن هذا المنطلق، دأب السيد في التخفف من أعباء المناهج النقدية. حيث ذلك لزوم ما لا يلزم. فالسيد في كتابه هذا لا يتبنى نظرية أدبية محددة ولا يميل “إلى النقد بمعناه المنهجي أو الأكاديمي”. إذ يقول في هذا الخصوص: “لم أستطع في كتاباتي عن الكتب التي كلفت بالكتابة عنها، إلا أن أكون قارئاً وكأني الكاتب الثاني”. هل بعد هذا القول الواضح والصريح من استفسار آخر عن نهج السيد ومفهومه النقدي؟ وفي وسعي بالنيابة عنه أن أبرهن معادلته هذه أكثر. أي إنه في عمله النقدي لا يشغل باله بالتخطيط ورسم الخرائط الهندسية والجينية، ولا يهتم بما يحتاج إليه البناؤون من أدوات لازمة كالشاقول والمتر والإزميل والشاقوف وغير ذلك…

إنه وبكلمة أخرى لايخلط بين الأدب وقوالب الخشب. ولا بين الإبداع وخطوط السكك الحديد. أما اعتماده الأول والأخير في تناول النص الشعري والتنقيب في عالم الشاعر والبحث في صندوقه الداخلي الأسود، فإنما على حساسيته الأدبية من دون أي تدخل نظري آلي من خارج سياق حالة التفاعل والانفعال.

فكيف إذا كان “الكاتب الثاني” هو من طراز أديبنا وكاتبنا ومفكرنا وناقدنا الكبير السيد هاني فحص. فالسيد، ليس بقارئ عادي. يدرك ذلك كل من واكب ويواكب مسيرته الأدبية والنضالية والفكرية مواكبة المحب والناصح الأمين.

فقد تخطت شهرة السيد هاني فحص الإطار المحلي أبعد فأبعد لتعم العالمين العربيّ والإسلامي معاً. كيف لا؟ وهو الذي ترك جعبة الأدب على الشط ليغوص عميقاً في غمار التجربة الصحافية مكرساً نفسه كاتباً شمولياً ومثقفاً أديباً وداعية إلى التقريب بين المذاهب وإلى الحوار المسيحي – الإسلامي سبيلاً ضرورياً للانفتاح على الآخر وتبديد الشكوك والمخاوف بين المحاصرين في المنزل الواحد والجغرافيا الواحدة والتاريخ الواحد والمصير الواحد.

ولا أغالي إذا قلت أن السيد هاني فحص، بات لهذه الخصال التي ذكرتها، حاجة ملحة إلى التغلب على كل عوامل الفتنة بالنظر إلى رصيده الفكري والوطني والخلقي لبنانياً وعربياً وإسلامياً، ولكونه محاوراً موثوقاً به ومناظراً دمثاً ومحاجاً قوي العارضة هادئ الطبع محدّثاً لبقاً وحداثياً متصلاً بتراثه الحي الفعال ومتضلعاً من الأدب والشعر والنقد العربي القديم ومطلعاً من كثب على مصادر الثقافة الحديثة وروافدها القريبة والبعيدة.

على أن الشعر كان أول ساكن يجاور السيد هاني فحص. نعم لقد كان جاره الحميم الذي سكن دار القلب غير مبارح إلى الأبد. صدقوني.. إن السيد لم يعشق غير حبيبة واحدة لا غير هي القصيدة.

لقد صال وجال في ديار الله الواسعة ولكن.. “كم منزل في الأرض يألفه الفتى”. ولئن مال اخيراً إلى النثر ولكن عينه لا تزال أبداً على شباك جارته القصيدة التي شغفت فؤاده بشعرها المتدلي حتى آخر شتلة تبغ في جبشيت. لو زحزحتم وسادة السيد لعثرتم تحتها على أول رسالة غرام (على ورقة زيتون) من أنثى وهي القصيدة. اسألوه. اسألوا السيد عن شكّ أصابع التبغ وعن شكّة الشعر في شغاف القلبّ كفى. هل عدت أخيراً إلى وطنك المحمول على ظهر الشعر يا سيد؟ لكن الشعر، صدقني، إذا كان في الغربة وطناً، فإنه في الوطن غربة. وفي وطننا غربة الغربات يا سيد.

آخر تحديث: 21 أبريل، 2014 9:34 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>