فواز طرابلسي: ثمن الانحياز

I ـ كتاب بلا كاتب؟

ينقلب فواز طرابلسي على النبوءة، ينتقص من مقام النظرية الجاهزة، ينظر إلى الثورة، بما هي عليه، لا كما يجب أن تكون. لا يقيس الثورة بقواعد سبق أن سجلتها كتب، يقرأها كمسار خاص، ولا يحكم عليها تأسيساً على ما يعجب الناس وعلى مدى مطابقتها لأحكام مسبقة. لذا، «الثورة بلا ثوار» كتاب له كُتّاب، لم يستعيروا قلمهم من بطون المعارف السالفة، بل سجلوه، وفق ما هو تدفق حي لـ«مسارات جوفية عميقة في المجتمعات» معبّرة عن واحدة من استحالتين: «استحالة أن يبقى النظام القائم أو أن يستمر المحكومون في تحمّله، أو قد تعبّر الثورة عن الاستحالتين معاً». وهذا أمر جديد، أو قل، هي دائرة فعل عام، تتسع لأشكال متعددة، تتخذ شكل «انتفاضة» وتتحول إلى ثورة، قد تكون سلمية وقد تلجأ إلى العنف، «رداً على تصاعد القمع والعنف بواسطة أجهزة النظام العسكرية». وقد يفضي المسار الثوري إلى «انقسام المجتمع الأهلي وإلى الاحتراب الأهلي»، وعندها تختلف النتائج، فتأتي طبقاً لما تفرزه «الميادين» من قوى منتصرة أو متعادلة أو منهكة.

إذًا، ثورة بثوار، من وقائعهم تعرفونهم، لا من عقائدهم أو أفكارهم أو منظومات منظمات أو أحزاب أو قادة… ثورة بثوار يختلفون عما شهدته الثورات في تاريخ البشرية.

إذًا أيضاً، كتاب لكاتب. فواز في هذا المقام، يخوض في التجربة، ويكشف أن المسارات التي سلكتها الثورة، هي أكثر تعبيراً عن «الغضب والوجع والرفض» مما هي «موسيقى المستقبل»، وهي خطر على النظام وخطيرة على ذاتها كذلك… شيء من اللعنة يكتنف مسيرتها. شيء من التوجس والخوف والحظ كذلك.

 II ـ يساري قويم ويساريات «بابلية»

 للكتاب كاتب، فمن يكون؟

أحياناً، أقدم الكتاب على الكاتب. أحياناً، أقدم الكاتب على الكتاب. نادراً ما أضعهما في مرتبة واحدة، كأن أقول، هذا الكتاب هو الكاتب بذاته: أعني: يصدق القول والقائل ولا يلتبس عندي تلازمهما. وكأن أقول بثقة: «هذا الكتاب هو فواز طرابلسي». النصوص، تعكس فكره وصورته وخبرته، وما اختزنه من معارف ومناهج وعقائد وتجارب، وما اصطفى منها ذخيرة وعي نقدي وتناولا مختلفا ومميزا، بل ومحترفا وانتقائيا. والأهم، صدق الالتزام والاختيار والموقف. لا أحد يملي عليه. إنشاؤه هو إملاؤه. والإنشاء عن عقل يأتي وعن هوى كذلك.

جاء من تراث يساري، انتقى منه ما يتناسب مع طريقته في استقرار وتحليل واستنتاج. يساريته متعددة المصادر والمناهل. اختمرت فيها تجارب وخبرات واجتهادات واكتشافات مفكرين وكتاب، تركوا في فروع المعرفة الإنسانية، مناهل للاغتناء والارتواء… هو جاء من موقع الملتزم والمنحاز (أي هو ليس سوق معرفة، فالمعرفة ليست سلعة، بل وظيفة أو وظائف في الوعي لتحديد المسالك والاستهداف). والتزامه يقوده إلى دراسة الظواهر في خصوصياتها وخصائصها المتفردة من جهة والمتشابهة من جهة. لا يفرط بجديد الخصوصيات، لمصلحة «مقدسات» فكرية وعقدية، جليلة الحضور والموقع في التراث الفكري الإنساني، الفلسفي والاجتماعي والاقتصادي والتاريخي. لا تستعبده الأفكار المسبقة، أحياناً يتحرر منها وأحياناً يحررها.

هو ماركسي بطريقة أخرى، اختطها لنفسه، ليس تقليدياً ولا مقلداً، يختلف عن آخرين، موقعاً وموقفاً وقراءة. يساريته خاصة به. قد لا تلتقي مع يساريات «بابلية»، بلغت أرصفة اليمين المحلي والدولي، وأسوأها اليسارية المتمذهبة والمتطيّفة أو تلك التي اعتنقت «النيوليبرالية» أو يسارية خليجية بلبوس سعودي أو قطري…

على أن هذا لا يعني عصمته. نصه حمّال احتمالات وإشكالات ومشكلات، ومفتوح على نقد ونقض، إنما، باحترام، تفرضه سوية الكتابة وأخلاقية الكاتب وصرامته المعرفية وحجته المنتقاة… أخالفه الرأي وأحترمه. منازلته ليست سهلة. يدافع عن نصه ببسالة وعناد. لذلك، هذا الكتاب هو فواز، كما أن الثورة هي الشبه الحقيقي لهؤلاء الثوار، الذين كانوا بلا أسماء… وهذا إبداع جديد في مسار الثورات.

III ـ الثورة والكتابة عنها

أشاعت ثورة تونس «البوعزيزي» موجة من التفاؤل الثوري، بسرعة إنجازها لمهمتها الأولى، إسقاط النظام، بدءاً من إسقاط رأسه أولاً. ولقد تم ذلك بالقبضات المنحازة للتغيير، وبالحياد الجدي للقوات المسلحة، المعتبرة في الأساس احتياطاً للنظام، وبشعار حاسم ينص على ثلاثة مفردات: أولاً، الشعب، الثاني: إسقاط، الثالث: النظام. ولقد حصل ذلك كمفاجأة غير متوقعة، بسبب ما فاض من يأس عربي، أدى إلى تأكيد نظرية الاستثناء، ببعديها، العربي والإسلامي. وكان واضحاً، أنها ثورة من داخل، وقف الخارج إزاءها متلعثماً، يبحث عن معنى لها، تأسيساً على مصالحه، لا على ما يدعيه من مبادئ الحرية والديموقراطية. لا مؤامرة إذا، بل فعل ثوري من داخل.

سرعة انتقال الثورة إلى مصر تؤكد أن الريح مؤاتية لغزوة الديموقراطية بالطرق السلمية، وفق النموذج التونسي. لكن اليمن اختلف، والبحرين تحصن بقوات الدرع العربية الخليجية بقيادة السعودية. وأصيب الأمل بالحرية والخبز والعدالة بنكسة كبيرة في ليبيا، ثم نحر وانتحر في سوريا.

أثارت هذه «الثورات» المتشابهة في شعاراتها، والمختلفة في تجسداتها الميدانية، نقاشات كثيرة، ومحاولات فكرية للإجابة عن أسئلة تداعت، بحكم الاهتمام أو الالتحاق أو الاستكشاف أو الالتزام، (ولكل هواه ومثله وغاياته). من الأسئلة التي أثيرت: هل هذه ثورة؟ كيف تكون الثورة؟ ما أبعاد هذه الثورات؟ ما علاقتها بالشعارات؟ ما صلتها بالحركات الدينية؟ ما حظوظ الإسلاميين منها؟ ما حظوظها من النجاح؟ الخ…

سيل من الكتابات حاولت قراءة الوقائع طبقاً لـ«النظرية»، أو لما سبق وكتب في الثورة. كأن الثورة تكتب وعلى الوقائع أن تصدق معها. الالتفاتة إلى النسبية في الثورة، كانت قليلة. فضل البعض النظرية على التطبيق، فخاب الفأل كثيراً.

اكتشف متابعون أن جديداً جداً في هذه الثورة، خلت منه الثورات السابقة. فلا حزب ولا قائد ولا برنامج ولا تنظيم ولا… ومع ذلك، فقد نجحت الثورة في إطاحة سلطتَي نظامين استبداديين بلا عنف مفرط، وأعادت المرجعية لـ«الشعب» الذي أسقط النظام. والشعب مصدر السلطة، فضفاض، غير منتظم، غير متكافئ، وهو المرجعية. لذلك المسار طويل والمصير مجهول. المهم، أن الطريق بات مفتوحاً، وأن مرجعية «الميدان» تكرست ولا عودة عن ذلك، على الرغم من حنين البعض إلى «العسكرة»، وإلى ممارستها.

لقد خرج الشعب من السجن، والوطن لم يعد ممكناً احتجازه في ثكنة عسكرية.

ميزات كثيرة وخصائص محددة ميزت الثورات المنتصرة بسلميتها: سلاح أدوات ووسائط التواصل الاجتماعي، الشباب والشابات طليعة الفعل الثوري، تراجع النخب المثقفة وخبراء السلطة إلى خطوط التنظير الخلفية.

أدرك فواز، عبر متابعته وبحسه النقدي، أن هذه الثورات، هي ثورات حقيقية جداً، وأن مرجعيتها الشعبية (الميدان) ذات ثقل في التقرير. يقول: «لعل أبرز حجة تؤكد جذرية تلك العمليات واستحقاق، بل وجوب، تعيينها بما هي ثورات، السرعة التي انقلبت بها، بالحراك الشعبي الملاييني على الفريق الإسلامي الذي حملته الموجة الأولى من الثورة إلى الحكم في أربعة بلدان عربية».

لا ثورة معروفة من بداياتها ولا ثورة ممكن إدراك وقائعها إبان وقوعها، ولا إمكانية لمعرفة مصائرها. غير أن ما يمكن إدراكه وتبيانه، هو ما كشف عنه فواز، من خصوصية أنظمة الاستبداد العربية، واتصالها في ما بينها بشروط سياسية واقتصادية شديدة الاتصال. فأنظمة الحكم العربية «جمعت الاستبداد إلى الانخراط في عملية التحويل الهيكلي لاقتصاديات بلادها، ما اضطرها إلى المزيد من الاستبداد لتطبيق إملاءات البنك الدولي». لذلك، كانت الشعارات حاملة لثلاثية حاسمة: «عمل، حرية، خبز».

ما تمكن الإضاءة عليه عند فواز، هو إمكانية تحول الثورة إلى حرب أهلية. حيث النتائج ليست مضمونة، وليس يعرف كيف ينتهي القتال ومن سيكون المنتصر وكيف تصاغ التسوية. مثل هذه الثورات، انتحار. لأنها تفجر المجتمع، فيستحيل الإبقاء على دولة أو على نظام… الوريث الشرعي للثورة في مجتمعات منقسمة اثنياً وطائفياً، أي عمودياً، هو الركام والخراب. لبنان نموذجاً، بعد صعود الحركة الوطنية داخل حاضنة طائفية، وانتحار سوريا عندما استيقظت العصبيات المذهبية، أو أوقظت، لتقضي على حلم الحرية والديموقراطية والعدالة.

 IV ـ أسئلة في الخيارات

خيارات فواز، هي خيارات الثورة. هو معها ضد الاستبداد وضد الاستنقاع ومعها من أجل التغيير وانتصار الحق بالحياة والعمل والخبز والكرامة والحرية. لا يساوم في هذا المقام. وهو مع الثورة من غير أتباع. نقدي ومستوعب. لا يقبل الاصطفاف أو التغاضي. فإن كان ثابتاً في موقفه ضد أنظمة الاستبداد، فهو ثابت أيضاً، في عدم قبول ارتهان الثورة، لقوى ظلامية أو استبدادية أو خارجية.

هذا هو المثقف. لا يقف مع ثورة هنا لأنها تناسبه سياسياً. ويتغاضى عن نظام استبدادي بحجة ما.

لم يرتكب فواز الثنائية، كما فعل سواه أو افتعل آخر. هو ضد نظام الاستبداد في مصر وسوريا ولا يتغاضي عن الاستبداد الملكي في ممالك وإمارات الخليج، التي اشترت جماهير شعبها بعطاءات وأموال، وحاولت شراء الثورات التي تناسبها، وتقمع ما لا ينسجم وطبيعتها التسلطية الاستبدادية.

هذا هو المثقف. أما السياسي، أو المثقف السياسي المنخرط والملتزم والمنتمي والناشط في مشروع سياسي، أو في مقاومة سياسية وعسكرية، فليس عنده رفاهية المطابقة بين ما يؤمن به وما يلتزم به. أحياناً، من واجب السياسي الملتزم في قضية أن ينحي المبدئية والأخلاقية جانباً، لمصلحة مشروعه السياسي، الذي يستمد مشروعيته من منظومة قيمية كبرى، كقتال الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن الوطن.

أليس من حقه أن يختار الثورة التي تناسبه في مساره ويحالف نظاماً أو يتعاطف مع نظام أو يحارب دفاعاً عنه، لأن مصيرهما مشترك، ان سقط الأول تهدد الثاني؟

هكذا تفعل الدول، صاحبة المصالح الكبرى. فالمقاومة، وجدت أنه من حقها، بل من واجبها الحيوي، أن تختار الثورة التي تناسبها، وأن تقف إلى جانب نظام استبدادي، يؤمن حماية ودعماً وفوزاً لها.

ما يصح عند المثقف، لا ينسحب على الملتزم. فقد يضطر إلى محاربة ثورة تضر بمصالحه، إنه يشبه الدول التي تختار ثورات هنا وأنظمة ضد الثورة هناك. منطق المثقف مثالي. منطق السياسي واقعي. وهنا مكمن الفتنة عندي.

أنا مع الثورة، ولكن…

ضد النظام السوري، ولكن…

مع المقاومة الإسلامية، ولكن…

خوفان يطيحان إمكانية الخيار.

فما العمل؟

المسألة ليست نظرية أبداً. الحيرة وانعدام الوزن، يجعلان من نظرتي إلى الأمور، رهن النتائج. الاعتزال نهج ممكن، والسفسطة قد تكون مخرجاً. إلى أن يحضر توما الرسول، ويقول بعد اللمس: «آمنت».

فواز، في هذا المضمار، مثقف منحاز، وهذا يريحه فكراً وموقفاً.

آخر تحديث: 13 أبريل، 2017 1:57 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>