سرّ البقلاوة..

البقلاوة وُزِّعَت، أو يمكن أن تُوزَّع، ليس شماتة مذهبية بسقوط مدينة سورية، وليس فرحا بقتل الابرياء من أطفال ونساء الشعب السوري أو تهديم بيوت أهلها... إنّما سرّ البقلاوة هو أنّ موزّعيها شُبِّهَ لهم، فغدت يبرود في نظر الموزّعين تماما كمارون الراس، كأنّ من يحتلّونها هم الصهاينة، ودليلهم الحسّي، موزّعو البقلاوة، أن من حرّرها وبذل من أجلها الشهداء هي "المقاومة" التي حرّرت هناك !

ليس صحيحا أنّ مظاهر الابتهاج والفرح التي عمت شوارع مناطق نفوذ حزب الله منذ يومين، وعبّر عنها مناصروه، سببها وصول أخبار سقوط مدينة سورية اسمها يبرود. وطبعا هم لم يقتنعوا البتة بأنّ خطر السيارات المفخّخة صار بعيدا عنهم وعن مناطقهم وعن أرزاقهم بعد سقوطها.

والدليل على ذلك هو غياب أيّ مبادرة يمكن أن تنبئ بذلك. فلا رُفعت حواجز التفتيش على مداخل الضاحية، التي تحوّلت الى كابوس لساكنيها، ولا أكياس الرمل أزالها أصحاب الواجهات التجارية. هذا إن لم نقل أنّ حالة من الحذر والقلق قد زادت هذه الايام تخوفا من ردات فعل متوقعة إنتقاما لما جرى في يبررد. وهنا يطرح سؤال قد يبدو الجواب عليه غريبا: ما هو سبب هذا الفرح والابتهاج؟

قبل الاجابة لا بدّ أوّلا أن نستغرق في فهم الحالة الشعورية التي يعيشها هذا الجمهور والاحاسيس العميقة في لاوعيه، التي تتحكّم بردّات فعله هذه أو غيرها. لأنّه اذا عُرِفَ السبب بَطُلَ العجب.من هنا علينا الاقرار والاعتراف أنّ حزب الله قد نجح نجاحا باهرا، إلى حدود اللامعقول، من خلال اعلامه الموجّه والمشغول بدقّة وحرفيّة عالية، في رسم صورة طبق الأصل بين معركته التي كان يخوضها في الجنوب ضدّ إسرائيل تحت شعار “المقاومة”، وبين معاركه التي يخوضها الآن ضدّ الثورة السورية إلى جانب نظام البعث. حتّى بات الكثيرون من هذا الجمهور لا يفرّقون بين الصورتين أبدا. ويتفاعل مع الحدث اليومي انطلاقا، ووفق استحضاره الذهني، من الصورة القديمة بدون الالتفات الى الفوتوشوب العالي الدقّة المشغولة به الصورة الجديدة.

إذ ليس من باب الصدفة غياب لفظة “حزب الله” في طول مناطق نفوذ الحزب وعرضه لتحل ّمكانها وبشكل مكثّف وعن سابق تصوّر وتصميم، في المساجد والحسينيات والمحاضرات وحتّى في حوارات الصالونات، كلمة “مقاومة”… بالتالي فإنّ العدوّ المفترض في الميدان، وإن أُطلق عليه اسم وهمي هو “التكفيري”، إلا أنّ من يقاتله هو “المقاومة”، ومن يسقط تنعيه “المقاومة” ويُشيَّع في القرى والدساكر تماما كما كان يُشيَّع من كان يسقط في أي عملية تشنها “المقاومة” (الحقيقية) ضدّ موقع من مواقع الاحتلال الإسرائيلي.

لذا فإنّ أي انتصار تحققه “المقاومة” إنّما هو في وجدان هذا الجمهور انتصار على العدو الاسرائيلي، وردّة الفعل الطبيعية الحاضرة في مشاعر هذا الجمهور هو التعبير عن الفرحة العارمة وتوزيع البقلاوة والمسيرات السيّارة والدراجات النارية. وفي ذلك استرجاع لا إراديّ للصورة القديمة عندما كانت تصل هذا الجمهور أخبار سقوط أيّ من المواقع الصهيونية المعادية، أو تحرير إحدى القرى.

طبعا أنا لست في وارد القول ولا اتهام جمهور حزب الله، بأنّه جمهور بسيط وساذج، بل ما أريد تأكيده، وبإصرار، أنّه جمهور مفتون، يُشبَّه له. فالبقلاوة وُزِّعَت، أو يمكن أن تُوزَّع، ليس شماتة مذهبية بسقوط مدينة سورية، وليس فرحا بقتل الابرياء من أطفال ونساء الشعب السوري أو تهديم بيوت أهلها… إنّما سرّ البقلاوة هو أنّ موزّعيها شُبِّهَ لهم، فغدت يبرود في نظر الموزّعين تماما كمارون الراس، كأنّ من يحتلّونها هم الصهاينة، ودليلهم الحسّي، موزّعو البقلاوة، أن من حرّرها وبذل من أجلها الشهداء هي “المقاومة” التي حرّرت هناك !

آخر تحديث: 20 مارس، 2014 8:46 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>