القضاء يكرّس حق معرفة «ذوي المفقودين» مصير أحبتهم

باسم الشعب اللبناني، يُقرَّر بالإجماع «إعلان حق الجهة المستدعية بالاستحصال على نسخة عن كامل ملف التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين، وتضمين المستدعى بوجهها الرسوم والمصاريف».

بهذه الخلاصة الحكمية أصدر مجلس شورى الدولة قراراً غير قابل للطعن أو المراجعة في الطعن الذي قدمته «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»، و«جمعية دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين ـ سوليد»، وعبر وكيلهما المحامي نزار صاغية، بوجه الدولة اللبنانية، ممثلة برئاسة مجلس الوزراء.
وعليه، أدخل القضاء، ممثلاً هنا بمجلس شورى الدولة، مفهوم حق معرفة ذوي المفقودين مصير أحبتهم وأقاربهم، في الوقت الذي تنكرت له جميع المؤسسات الرسمية اللبنانية من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب، طوال ثلاثة عقود ونصف على انتهاء الأعمال الحربية للحرب الأهلية.
وعبر حق المعرفة، يكرس مجلس شورى الدولة حق أهالي المفقودين والمخطوفين الإطلاع على المعلومات والتحقيقات المتعلقة بملف أبنائهم وأحبائهم، وفق صاغية، كما يعطي «الأولوية لهذا الحق بالنسبة لحجج الدولة المتذرعة بالأمن والسلم الأهلي، ليفضل حق ذوي المفقودين بالمعرفة على ذرائع مماثلة».
ويتعلق الحكم بالتقرير الذي أعدّته اللجنة التي كلفت بالتحقيق بقضية المفقودين والمخطوفين في العام 2000، وتمنُّع مجلس الوزراء عن تسليم التقرير كاملاً للجهة المستدعية وبالتالي عدم الاعتراف بحق ذوي المفقودين بمعرفة مصير ذويهم.
ويعطي صاغية بُعداً جوهرياً للحكم، يتمثل في بنائه على «حيثيات هامة ومنها وجوب مناهضة التعذيب الذي يتعرّض له ذوو المفقودين، على اعتبار عدم معرفتهم بمصير أحبتهم بمثابة تعذيب».
وعليه، ووفق صاغية ورئيسة «لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين» وداد حلواني، سيكون الحكم «سلاحاً قضائياً سيستعمل للاطلاع على كل المعلومات والتحقيقات المتعلقة بملف المفقودين والتقرير الرسمي الذي أنجز عن قضيتهم».
وبالحكم، يلتحق لبنان بالدول التي كرست حق المعرفة في قضايا مشابهة، وبما ينسجم مع الاتفاقيات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان التي التزم بها، ولم يطبقها في قضية المفقودين والمخطوفين. كما يلتقي، وفق صاغية، «مع مجموعة وثائق تصدر في دول عدة في قضايا مشابهة».
حق المعرفة
وسيستعمل الحكم – السلاح، وفق حلواني، «للمضي في معركتنا وتكريس حقنا بمعرفة مصير أهلنا وأحبتنا والاطلاع على التحقيقات». وأكدت أن إخفاء التحقيقات عن ذوي المفقودين والمخطوفين «جعلنا نخاف من عدم وجود تحقيقات فعلياً». وأشارت إلى أن العمل سيستمر للطلب باتخاذ إجراءات تحمي أماكن وجود المقابر الجماعية تمهيداً للتحضير لاستكمال ما من شأنه تأمين حقنا بالمعرفة».
ورأت حلواني أن الحكم «يقضي على الحجج التي تقول إن تسليم الأهالي تقرير العام 2000 كاملاً، ينكأ جراح الحرب، كما يؤكد (أي الحكم) أن إقفال ملف الحرب يكون أيضاً عبر معرفة مصير المفقودين».
وتطالب حلواني، وبناء على الحكم، رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب ووزير العدل بإيلاء قضية المفقودين والمخطوفين الأهمية التي يستحق، ومعها مشروع القانون الذي تقدمت به اللجنة للوصول إلى معرفة مصير المفقودين والمخطوفين.
اليوم، ومع بدء معركة تأمين التزام الدولة تنفيذ الحكم، وبإطلاع ذوي المفقودين والمخطوفين على كامل التقرير والتحقيقات، يؤكد صاغية أنه أصبح بالإمكان «الحصول على كامل التحقيقات من جهة، وإلزام كل شخص معني بالموضوع أو يمتلك معلومات عنه بالإدلاء بها، وطبعاً الاستمرار بالدعاوى المرفوعة سابقاً، وتقديم أخرى جديدة، وكذلك حماية أماكن المقابر الجماعية وتأمين التقنيات اللازمة للاطلاع على ما تحويه هذه المقابر والتحقق من فحوصات الحمض النووي أو الخريطة الجينية».
كما ستشمل الإجراءات حماية أي أماكن إضافية قد يكشف التقرير الأساسي عن وجود مقابر جماعية أخرى فيها»، وفق صاغية.
ولكن ما هي حيثيات المراجعة والظروف التي بنيت عليها؟
بعد عشر سنوات على انتهاء الحرب الأهلية ونضال ذوي المفقودين والمخطوفين، عين رئيس مجلس الوزراء في حينها الدكتور سليم الحص لجنة تحقيق رسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين بتاريخ 21/1/2000. وأصدرت هذه اللجنة تقريرها بتاريخ 25/7/2000 لتبين أنها وجدت مقابر جماعية في مدافن الشهداء في منطقة حرج بيروت وفي مدافن مار متر في الأشرفية وفي مدافن الانكليز في التحويطة، وأنها استخرجت عظاماً منها. وعُينت لجنة من الأطباء الشرعيين للكشف عليها، وأنّ لجنة الأطباء خلصت في تقريرها إلى استحالة تحديد هوية الضحايا.
وأوصت لجنة التحقيق بالإيعاز لذوي المفقودين بإعلان وفاة المفقودين من دون تمكينهم الاطلاع على التحقيقات أو المشاركة في أعمال اللجنة. كما لم تقم الدولة بأي مبادرة لإخراج الرفات والسعي إلى تحديد هويتها، ولا لتحديد موقع هذه المقابر الجماعية وتسييجها وحمايتها من العبث، كما تفرض ذلك الحقوق الأساسية لذوي المفقودين والمبادئ القانونية العامة.
وبناء على ما حصل، وبتاريخ 29/4/2009، تقدمت «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»، و«جمعية دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين ـ سوليد» من رئاسة مجلس الوزراء بطلب الاستحصال على نسخة كاملة عن ملف التحقيقات الآيلة إلى تحديد مواقع المقابر الجماعية وتقرير الأطباء الشرعيين، إلا أن رئاسة مجلس الوزراء لم تجب على طلبهما ضمن مهلة الشهرين.
وعليه، تقدمت الجهتان المستدعيتان بـ«مذكرة ربط نزاع» إلى مجلس الوزراء تشير فيه إلى أنه ونظراً إلى أن الرئاسة لم تجب على طلب اللجنتين باستلام نسخة عن الملف، بالرغم من انقضاء مدّة شهرين من تاريخ استلام طلبهما، بما هو بمثابة رفض وفقاً للمادّة 68 من تنظيم القضاء الإداري في لبنان، وذلك وبالرغم من ورود تقرير وضعته لجنة تحقيق رسمية أنشئت بهدف الاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين، وهو ما يؤكّد صحة طلب الجمعيتين المستدعيتين وقانونيته. وأملت اللجنتان من رئاسة مجلس الوزراء أن تقرّ بالحقوق المشروعة للمستدعين.
وبناء على رفض مجلس الوزراء تسليمهم التقرير الأساسي الكامل، تقدمت اللجنة والجمعية بواسطة وكيلهما القانوني صاغية بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة لـ«إبطال قرار الرفض الضمني الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء للاستحصال على نسخة عن الملف الكامل لتحقيقات لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين، وبالتالي إلزام الدولة بتسليمهما النسخ المطلوبة، كما وتضمين الدولة الرسوم والمصاريف والنفقات».
الوثائق الدولية
استند مجلس شورى الدولة في حكمه على المطالعة التي تقدم بها وكيل الجهة المستدعية والتي تستند في طلبها على حق أهالي المخطوفين والمفقودين والمعتقلين والمنفيين في معرفة مصيرهم، كما كرسته التوجهات القانونية الحديثة، ولاسيما اجتهادات المحاكم وآراء المحافل الدولية والإقليمية والوطنية، وكونه مبنياً على الحق في الحياة الأسرية وحقوق الطفل والحق في الانتصاف القضائي السريع.
كما أن الخطاب القانوني الدولي والمقارن أجمع على استخلاص حق المعرفة من مجموعة من الحقوق المدنية المكرسة في المواثيق الدولية، ولاسيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية حقوق الطفل، وهي مواثيق أقرها لبنان.
وبُني أيضاً على إدخال «المفوضية العليا لحماية حقوق الإنسان» في الأمم المتحدة الأعمال التي تسبب معاناة نفسية من ضمن أعمال التعذيب التي تحرمها المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
واستشهدت المطالعة القانونية للجهة المستدعية، والتي أخذها الحكم في الاعتبار أيضاً، بتكريس بعثة حقوق الإنسان في المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة حق المعرفة كضمانة لحماية ذوي المفقودين من التعذيب النفسي.
كما جعلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من حق معرفة مصير المفقودين الغائبين، مرتكزاً أساسياً لضمان الحق بالحياة الأسرية وحقوق الزوج والطفل، ولتمكين العائلة من تصحيح علاقتها واستقرارها واستمرارها، وأدخلته ضمن احترام الكرامة الإنسانية.
ومن جهتها، ووفق المطالعة عينها، ربطت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بين الحق في المعرفة والحق في الحياة وبررت هذا الترابط بالخطر الداهم الذي يتعرض له الشخص المفقود، والذي يستمر طالما أن ذويه يجهلون مكان احتجازه ويعجزون بالتالي عن إبعاد الخطر عنه وتأمين الحماية القانونية له. واعتبرت المحكمة الأوروبية أن إخفاق الدول بالقيام بتحقيقات سريعة وفعالة وعجزها عن تحديد مكان المفقود ومصيره يشكل انتهاكاً مستمراً للحق في الحياة الذي يتعيّن عليها حمايته وضمانه بموجب تطبيق القانون والقيام بالتحريات اللازمة.
وكذلك فإن معظم المحاكم التي تعنى بقضايا الاختفاءات القسرية كرست حق الانتصاف القضائي السريع والفعال للمعتقلين والمفقودين. وأكدت ضرورة توفير السبل الفعالة للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته، كما كرست الجمعية العمومية للأمم المتحدة حق المعرفة وحق ذوي المفقودين بالحصول على مجمل المعلومات التي قد تساهم في التوصل إلى معرفة مصيرهم بأقرب وقت كحاجة إنسانية، وإعطاء هذا الحق الأولوية على غيره من الاعتبارات.
سعدى علوه

آخر تحديث: 17 يونيو، 2017 10:30 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>