لمَ المسارعة إلى احتواء أزمة أوكرانيا وترك أزمة سورية تتمادى؟

يصعب إثر الحدث الأوكراني أن لا يكرر المراقب والمتابع للحرب الدائرة في سورية ما صار ممجوجاً لكثرة ترداده٬ أي المزيد من الاقتناع بأن السياسة الأميركية تجاه سورية كانت ولا تزال تختبئ وراء الموقف الروسي. وقد ظهّر الحدث الأوكراني هذه المقولة التي تعتبر أن استمرار المأساة السورية هو مسؤولية روسية إيرانية مشتركة، بمقدار ما هو أيضاً مسؤولية أميركية خصوصاً وغربية عموماً.
لا ندّعي خبرة ومعرفة بالشأن الأوكراني ولسنا بصدد تناول هذا الحدث بحد ذاته٬ بل للدلالة مرة جديدة أن الولايات المتحدة – والاتحاد الأوروبي من ورائها – لم تقارب الحرب في سورية على غرار مقاربتها الأزمة الأوكرانية التي لم تسمح بتحويل المدن الأوكرانية إلى ساحة حرب ولم تكن هناك حاجة إلى أكثر من ۱٠٠ قتيل حتى يتبخر الرئيس الأوكراني وتبدأ المطالبات بإحالته على المحكمة الجنائية الدولية.
وعكست مسارعة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى تخفيف الخطاب الروسي الغاضب على ما جرى في أوكرانيا، الدولة التي عادة ما توصف بأنها الحديقة الخلفية لموسكو، وتصريح وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن أوكرانيا لن تكون ساحة حرب ضد روسيا، الرغبة في احتواء الحدث الأوكراني كون «الانقلاب» السياسي الذي قلب المشهد في عمق أوروبا من شأنه أن يحمل تداعيات قد لا تتوقف عند حدود القارة. فالجمرة المشتعلة في الخاصرة الروسية المباشرة قد تفرض على الحكم في روسيا إعادة النظر في الخيارات السياسية والاستراتيجية التي كان يتبعها، في ظل الحديث الذي ساد عن صعود روسيا واقترابها من أن تتحول ثقلاً رئيسياً في مواجهة الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة.
الحدث الأوكراني كشف جملة من الحقائق والمعطيات، منها ما يتصل بالصراع الدولي وبعضها يتصل بأحداث منطقتنا بشكل أو بآخر، وهنا بيت القصيد. قد يتطلب الأمر وقتاً ليس بقصير لمعرفة المشهد الذي سترسو عليه الأحداث في هذا البلد، لكن يمكن قوله أنه لا مكان للاستسهال في تقدير عواقب ما جرى. فالرد الروسي محكوم بعوامل سياسية واستراتيجية وقومية وكيانية قد تؤثر حتى في وحدة الاتحاد الروسي نفسه.
ولا يبدو حتى الساعة أن الخيار العسكري هو من بين تلك الخيارات، لا سيما في ظل إعلان الجيش الأوكراني مسبقاً أنه على الحياد في هذا الصراع. وهو ما حرم موسكو إمكان تطبيق معاهدة الدفاع المشترك بين البلدين. ومن ناحية أخرى يبدو أنه من غير اليسير تكرار تجربة جورجيا مع إقليم أوسيتيا في عام 2008.
غير أن المتغير الأكبر هو في المعادلة الدولية التي تحيط بالأزمة الأوكرانية راهناً، فضلاً عن حجم أوكرانيا نفسه وموقعها الاستراتيجي وعلاقاتها الوثيقة مع الغرب.
حتى خيار تحريض الأقلية الروسية على الانفصال لا يبدو أنه بالأمر السهل، نظراً إلى الارتدادات التي يدركها الروس، سواء على استقرار دول المنطقة أو حتى على الاتحاد الروسي نفسه. وظهر أيضاً أن الترغيب الروسي بتقديم 5 بليون دولار إلى أوكرانيا، لا يمكنه أن يخضع الأخيرة للنظام السياسي الريعي نفسه الذي يحكم روسيا.
في المقابل، تبدو ردود الفعل الأوروبية والأميركية مضبوطة هي الأخرى ضمن سقف هضم ما جرى خطوة خطوة، والتعامل مع الوقائع التي يجري تكريسها يوماً بعد يوم. فالأوروبيون ومعهم الأميركيون لا يبدون قلقين من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية في القارة، ويرغبون في مساعدة أوكرانيا على تجاوز هذه المرحلة الانتقالية بأقل مقدار ممكن من الأكلاف.
وهو ما يثبت أيضاً أن نظرية استعادة أجواء الحرب الباردة قد أكل الدهر عليها وشرب، لأن القطب الآخر في تلك الحرب لم يعد قائماً، على رغم كل الضجيج الذي يثيره سيد الكرملين والمتحمسون له، خصوصاً في المنطقة العربية. ولا بأس بالتذكير هنا بأن موازنة وزارة الدفاع الأميركية الأخيرة حملت خفضاً تاريخياً في عديد الجيش الأميركي، وبخاصة بعض الأسلحة التي صممت خصيصاً لمواجهة الدبابات الروسية في أي حرب برية مقبلة، كطائرة «أي 10».

تسويات كبرى
أغلب الظن أن تسويات كبرى قد تكون الخيار المتاح أمام الجميع إذا ما أريد لهذه الأزمة أن ترسو على بر الأمان. لكن ما يثير التساؤل في ما جرى خلال الأشهر الثلاثة من عمر الأزمة الأوكرانية، هو الكيل بمكيالين في التعامل مع الأزمات الدولية، ومسارعة الغرب إلى التدخل في شكل مباشر في أزمة اعتبرت خطرة على الأمن الدولي والأوروبي بشكل خاص، فيما تتواصل سياسة الانتظار تجاه أزمة مضى عليها ثلاث سنوات في سورية.
يكاد المرء يتساءل هل الدم الأوكراني أغلى من الدم السوري؟ وهل وحدة أوكرانيا أهم من وحدة سورية؟ وهل منطقة الشرق الأوسط برمتها أقل أهمية بالنسبة إلى الأمن العالمي؟ قد لا تصح المقارنة بين ما جرى في أوكرانيا وما يجري في سورية، وبخاصة لناحية قراءة عوامل الأزمتين وأسبابهما وما يرتبط بهما من ملفات. غير أن سرعة التدخل الغربي تطرح مسألة أخلاقية على أقل تقدير إذا أردنا أن نخفف من التساؤل عن أسباب الإحجام الجاري تجاه سورية.
وعلى رغم عدم وضع خطوط حمراء في أوكرانيا، أمكن للتغيير أن يحصل، فيما لون هذا الخط بهت وذابت ألوانه مرات ومرات في سورية.
واشنطن لم تهدد موسكو عسكرياً، لكن اللغة السياسية الواضحة كانت كفيلة برسم الخطوط التي لا يمكنها تجاوزها، حين يكون القرار واضح المعالم. ومن المضحك أن يقال إن موقع سورية بالنسبة إلى روسيا أهم بكثير من أوكرانيا، خصوصاً أن لا مجال للمقارنة بين حجم التبادل والعلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية بين روسيا وكل من هذين البلدين.
إذاً ما الذي يجعل من وقف الحرب في سورية قضية كونية تحتاج إلى جهود جبارة وتسويات دولية وإقليمية، فيما رعاية المخرج السلمي للأزمة الأوكرانية تطلبت أسابيعَ لا أكثر؟
هناك من يقول إن الأمر يعكس «استقالة» أميركية من أزمات المنطقة تنتهجها إدارة الرئيس باراك أوباما، وتنظر إلى ما يجري فيها على أنه «حروب أهلية تدور عند آخرين» على ما قاله أوباما نفسه.
في حين يعتبر آخرون أن تلك الاستقالة هي سياسة مقصودة ومحركها الأساس التعامل مع المنطقة كقاصر عجز عن بناء أنظمة حديثة تستطيع حل قضاياها وخلافاتها بأدوات ديموقراطية، فيما الحرص كل الحرص هو على حماية الكيان «الديموقراطي» الوحيد فيها والمتمثل بإسرائيل…
قد يكون كلا الاستنتاجين صحيحاً، لكن من نافل القول إن نتائج تلك السياسة بدأت تثير ردود فعل، ليس فقط في منطقتنا، بل داخل الإدارة الأميركية نفسها ومؤسساتها السياسية والعسكرية على حد سواء، على ما تتركه تلك السياسة من آثار مدمرة في المنطقة. هذا ما تعكسه على الأقل كتابات العديد من الأميركيين وتصريحات مسؤولين أميركيين سواء من داخل الإدارة أو خارجها، والتي تحذر من أن تلك السياسة فشلت في توفير أمرين اثنين: الأمن القومي الأميركي، وصَون العلاقات التحالفية التاريخية التي تربطها بدولها.

آخر تحديث: 3 مارس، 2014 1:47 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>