… وأخيراً وجد «الجهادي» مَن يكفّره ويقتله!

تهتز أوساط الجهاديين بشدة، يتداولون للمرة الأولى فتاوى تكفير بحق بعضهم، بعد ان اعتادوا تكفير المجتمعات التي ولدوا فيها، او التي قاتلوا وقَتلوا وقُتلوا فيها، ولكن هذه المرة لم يكن التكفير بداعي «الجاهلية» بل بتنازع على «الحاكمية». قلَب العراقي المتمرد ابو بكر البغدادي موازين اللعبة، وكانت «داعش» بداية نهاية الجيل التقليدي لتنظيم «القاعدة» الذي يبدو انه سقط في فخ العراق، كما سقط الجيش الاميركي تماماً.

تكشف ملابسات «داعش» في معركتها السورية، ان النزاع في اصوله يعود الى جذور «وطنية»، فـ «الجولاني» لم ينازع «البغدادي» على السلطة في العراق، وكان ينتظر ان لا ينازعه البغدادي في سورية. بل ان لقب «البغدادي» الذي تحول في عرف الجهاديين الى وظيفة تقابل معنى أمير المؤمنين/ الملك/ الحاكم، يكشف بدوره الطريقة التي احتوى من خلالها العراقيون كل هذا الزخم من المجاهدين الذين تدفقوا بقصد «مقاتلة الاميركيين» اولاً، ثم مقاتلة «الصفويين» من الشيعة و«العملاء والمخالفين» من السنّة، قبل ان يتحولوا الى قتال بعضهم.

بروز نجم الاردني ابو مصعب الزرقاوي في مناطق الانبار منذ العام 2004، واجتذابه عدداً كبيراً من المجاهدين، بل ودخوله على خطوط التمويل الاساسية للتنظيم الدولي الذي كان يتزعمه حينها اسامة بن لادن، اثار حفيظة الجهاديين العراقيين، وكان هؤلاء يتداولون اعتراضات لا تنتمي الى المنظومة الجهادية التقليدية العابرة للحدود، وانما الى ما وصفه بعض المقاتلين الاجانب بأنه «عصبية وطنية»، وطرح المقاتلون العراقيون حينها نظريتهم لاسلوب الجهاد بنسخة ارض الرافدين: «لا يقود العراقيين غير عراقي».

الواقع أن العدد الاكبر من الجهاديين العرب والاجانب الذين قدموا الى العراق استخدموا كأدوات حربية صماء، في معارك ميدانية، وكثير منهم فخخوا على يد عراقيين وتم وضعهم في اهداف لا يعرفونها، ولم يكونوا تحت ضغط التضليل وغسل الدماغ والرغبة في مغادرة الحياة، معنيين بهوية من يقودهم، حتى انهم اطلقوا على انفسهم اسم «كتيبة الغرباء» ولم يختاروا مثلاً اسم «المهاجرين» الذي استخدمه البغدادي بعد سنوات في سورية، لمنحهم شرعية الحكم لا شرعية الجهاد.
منذ تأسيس «مجلس شورى المجاهدين» في معركة الفلوجة الاولى عام 2004 بزعامة عبدالله الجنابي كزعيم سياسي – ديني، وابو مصعب البغدادي كزعيم حربي، والى حين الاعلان عن «دولة العراق الاسلامية» عام 2006 بزعامة ابو عمر البغدادي اميراً، وابو حمزة المهاجر (مصري) وزيراً للحرب، كان النزاع قد حسم لمصلحة التوزيع الثنائي للسلطات الذي يضمن من جهة هوية عراقية للتنظيم، ومن جهة اخرى يضعه في كنف «القاعدة» الأم، عبر سفيرها الذي يشغل منصب وزير الحرب ويتحكم بمصادر التمويل وبادارة المقاتلين العرب والاجانب.

لا يمكن أحداً من داخل تنظيم «القاعدة» او خارجه، الجزم بالطريقة التي قتل فيها ابو مصعب الزرقاوي، ومن ثم ابو حمزة المهاجر وابو عمر البغدادي. وعلى رغم الاعلانات الاميركية عن قصة الايقاع بهذه الاهداف الثمينة، فإن بعض الاوساط الجهادية، لم تستبعد قصصاً مغايرة، بعضها يشير الى نظرية «الخيانة» و«المؤامرة» من داخل التنظيم نفسه.
أجواء غامضة وملتبسة وغير مفهومة، صاحبت نهاية مرحلة ابو عمر البغدادي الذي كان كما يبدو اشد ارتباطاً بالرحم الامومي للـ «القاعدة»، وبداية مرحلة ابو بكر البغدادي الذي تمرد على ذلك الرحم، وما زاد التباسها ان ابراهيم عواد السامرائي (ابو بكر) لم يكن في الاساس قيادياً رئيسياً في «الدولة الاسلامية»، بل ان الانباء عن انه كان نائباً لحامد الزاوي (ابو عمر) مشكوك فيها.

ما يهم ان «البغدادي» منذ توليه زعامة التنظيم ربيع 2010، فك الترتيبات الثنائية للسلطة، ورفض ان يتقاسم عنوان الزعامة مع قيادي اجنبي، ولم يعرف للتنظيم منذ ذلك الحين «وزير حرب»، ما يشير الى ان البغدادي جمع تحت امرته السلطات السياسية والعسكرية الدينية. وتلك البداية الرسمية للتمرد على ولاية «قاعدة» بن لادن التي ستضعف تدريجياً بعد مقتل الاخير في أبوت آباد الباكستانية. لم يكن «الجهاديون» التقليديون المتنقلون، مشغولين بترتيبات الزعامة، فهم يتحركون في نطاق خطين اساسيين: الاول ديني: يفصّل مشروع «الجهاد» باعتباره جامعاً، ومكتفياً، ومنظوراً، ومحسوساً، ومثبتاً، فلم يكن هناك مجال للشك في ان الموت تحت امرة البغدادي في العراق او الظواهري في تورا بورا، لا يقود الى الجنة.
الثاني مالي: ما دام الجهاد واحداً، لم تكن هناك مشكلة شرعية في دخول البغدادي على خط مصادر التمويل الدولي، والمتبرعين، لتذليل العقبات البيروقراطية التي تمنع وصول اموال الجهاد الى العراق.

لكن الاسئلة بدأت تنتشر في الاوساط الجهادية غير العراقية، مثل: «لماذا يصر العراقيون على احتكار الزعامة؟». بالطبع مثل هذا السؤال مبرر في ضوء الارضية الفكرية لتنظيم «القاعدة» التي تأنف وتحتقر مفهوم «الدولة الوطنية» وتعتبره «بدعة كفرية» و «ظلالة استعمارية»، وهو المفهوم الذي تداوله ابو بكر البغدادي نفسه مراراً وتكراراً في خطبه ورسائله، وبات مدخلاً الى كل خطاباته التي سبقت اعلان تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» والتي تبعت هذا الاعلان وبررت له.

لم يكن ابو محمد الجولاني بعيداً من متغيرات دولة البغدادي، بل في صلبها، وكان مثل العديد من المقاتلين العرب والاجانب، متأثراً بذلك الخط الاحمر الذي رسمه العراقيون للسلطة، وترجمه لاحقاً عبر التمسك بـ «جبهة النصرة» ورفض «داعش» ومن ثم التوجه الى محاربتها و «تكفيرها». صراع «داعش» و «النصرة» يكشف في احد أوجهه، ذلك الالتباس الذي يغلف «التكفير القاعدي» ويرجعه الى اصول سياسية لادينية، ويبين مرونته وقدرته على التكيف والتمويه، لكنه في وجه آخر يُظهر جوهر التركيبة العراقية الميالة للسلطة، والمتمرنة على ادارة الصراع عبر الحدود.

«البغدادي»، هو الوجه العراقي الصريح للسلطة، وهو امتداد طبيعي لتعريف العراقيين الملتبس للحاكم الذي يستخدم كل الوسائل للحفاظ على حكمه وتوسيعه، و «الجولاني» لا يختلف عن البغدادي في ترجمة «السلطة» الى نسخة سورية لا تقل التباساً، و «التكفير» لا يعدو ان يكون من ادوات الحكم، يخضع لقوانينه ومعطياته وأولوياته، تماماً كأولئك المجاهدين المتدفقين من اصقاع الارض يحملون في جيوبهم قصاصة لفتوى، وفي عقولهم المضطربة آمالاً عريضة بالموت، حتى لو تحت أمرة متصارعين على الحياة.

آخر تحديث: 16 أكتوبر، 2017 3:01 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>