الأيديولوجيا والأيديوجيا الدينية

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أعلن كثيرون من المفكرين عن زوال عصر الأيديولوجيا وموتها وكتب (فوكوياما) عن نهاية التاريخ مبشراً أيضاً بسقوط الأيديولوجيا.. على اعتباره سلسلة من الأيديولوجيات المتصارعة أو المتجاورة وصولاً إلى النهاية المزعومة للتاريخ المتوجّه بقيام النظام الاقتصادي الحر ونموذجه في الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.. في هذا التوجه بالنظر إلى الأيديولوجيا شيء من الخطأ وشيء من الصواب.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أعلن كثيرون من المفكرين عن زوال عصر الأيديولوجيا وموتها وكتب (فوكوياما) عن نهاية التاريخ مبشراً أيضاً بسقوط الأيديولوجيا.. لكنّ الملاحظ سواء بالنظر إلى (فوكوياما) والمفكرين الذين أشرنا إليهم، أنهم يعتبرون التاريخ سلسلة من الأيديولوجيات المتصارعة أو المتجاورة وصولاً إلى النهاية المزعومة للتاريخ المتوجّه بقيام النظام الاقتصادي الحر ونموذجه في الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية…

في هذا التوجه بالنظر إلى الأيديولوجيا شيء من الخطأ وشيء من الصواب.. فالصواب في هذا التوجه هو أن الأحداث والوقائع تثبت – إلى حد بعيد – تراجع الأيديولوجيات وانهيارها وتشي بالمزيد من تراجعها.

أما الخطأ فهو اعتبار التاريخ حتى اللحظة الراهنة إنما هو تاريخ الأيديولوجيات وأن انهيارها يعني نهاية التاريخ أو نهاية مسيرته ثم الوقوف عند تجربة الاقتصاد الحر، فالتاريخ لا يتوقف والقول بوقوفه عند تجربة معينة مهما تكن قوية وشاملة هو شكل من أشكال الوقوع في أيديولوجيا جديدة. أي تحت وطأة نظام فكري ثابت يدعي لنفسه امتلاك الحقيقة الكاملة.

في كل حال – من وجهة نظرنا – فإن الأيدلوجيات إلى انهيار والعصور القادمة ستؤكد زوالها وسيكون الفكر الإنساني أكثر تحرراً من وطأتها. ووجهة النظر هذه تقوم على اعتبار الأيديوجيا – سواء منها الإممية أو القومية أو الفكرية – عبارة عن نظام فكري بشري يدعي لنفسه الشمولية والسداد بل الصحة المطلقة في كثير من الأحيان وأنه قادر على تفسير كل الظواهر في الاجتماع وفي التاريخ وكم شاهدنا في الأنظمة الفكرية الشمولية من يلوي عنق الحقائق الواضحة لتستقيم مع نسق الأيديولوجيا التي يعتنقها.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أليس الدين بدوره أيديولوجيا أكثر خطورة من الأيديولوجيات الوضعية؟

والجواب على السؤال – وهو الهدف من هذه المقالة – أن في الدين يجب التمييز بين أمرين بين الدين بوصفه نصاً إلهياً مقدساً وبين الفكر الديني بوصفه نصاً بشرياً مفسراً أو مؤولاً للنص الأول (الإلهي).

الدين عقيدة تجيب على أسئلة الغيب والمصير الإنساني، والنص الإلهي هو نص هداية للكائن الإنساني ليس فيه ما يصادر العقل أو يضع له حدوداً من خارج الحدود التي يضعها العقل لنفسه.

أما الفكر الديني فهو الذي يؤسس على النص المقدس عقائد ومذاهب ويؤسس – بالأخص – أيدلوجيا دينية.

وفي الإسلام – بين الأديان بصورة خاصة – ما يمكِّن بل ما يغري الفكر الديني من صياغة منظومة أيديولوجيا سياسية واجتماعية واقتصادية، بسبب أن النص الديني الإسلامي يتضمن توجهات إرشادية في هذه المجالات.. فيغدو بموجب ذلك وكأن النص القرآني هو كتاب في السياسة والاقتصاد والاجتماع وحتى في العلوم التطبيقية.

لا ننفي أن من حق المفكر المسلم أن يستخلص من النص الديني نظرية في الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة. ولكن ليس من حقه أن يمنحها أي قداسة ينفرد بها القرآن الكريم.. ومع ذلك فإن عصرنا شهد ويشهد قيام أيديولوجيات إسلامية لا تذهب إلى محاورة خصومها بل إلى تكفيرهم وتلك هي لعنة الأيديولوجيا والدينية منها بشكل خاص.

إن الاجتماع الإسلامي مطالب أكثر من أي اجتماع آخر بالحذر من الأيديولوجيا الدينية لأنها تغلق ما هو مفتوح ورحب من النص القرآني، الذي يتضمن الدعوة الملحة إلى الفكر والتفكر في الكون والعالم والإنسان بما يعني أن إرادة الله تعالى لم تكن موجهة لأنزال قرآن يعفي الناس من مسؤولياتهم عن النظر واكتشاف الحقائق والاختلاف في تفسيرها وتأويلها (فلو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك…).

إن خطر الأيديولوجيا الدينية إنها تغلق الأفق المفتوح أمام الفكر والتأمل أي أمام عبادة أساسية يمارسها الإنسان في محراب الوجود والكون كما في محراب الاجتماع الإنساني.

وإذا كان اشتقاق نظام فكري أو اجتماعي أو اقتصادي من النص الديني أمراً مشروعا،ً فإن من غير المشروع أن يتحول هذا النظام إلى عقيدة مقدسة كالقول مثلاً – إن الإسلام دين ودولة أو القول إن الإسلام قدّم للعالم نظاماً اقتصادياً تاماً وغير ذلك من النظريات التي تحولت لدى كثير من التيارات الإسلامية إلى عقيدة ومعيار لقياس إيمان المسلمين أو كفرهم.

إذا صحَّ أن للإسلام أيديولوجيا فهي أيديولوجيا العلم والمزيد من العلم والتفكر، والمزيد من التفكر بحرية كاملة لا تحدها إلا قواعد الحرية نفسها.

آخر تحديث: 19 سبتمبر، 2017 1:39 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>