محكمة الحريري: العدالة بعيدة المنال

بعد تسع سنوات على اغتيال الزعيم اللبناني رفيق الحريري بتفجير سيارة ملغومة تبدأ يوم الخميس محاكمة أربعة مُتهمين بقتله. لكن المتهمين فارون في حين عاد المفجرون الى شوارع بيروت وما يزال حلم العدالة الذي كان يفترض ان تحققه المحاكمة بعيد المنال. وقُتل الحريري و21 شخصا آخرين على ساحل بيروت في فبراير شباط 2005 في انفجار هو الأكثر دموية ضمن سلسلة من الهجمات استهدفت منتقدي الوجود العسكري السوري في لبنان.
وأثار مقتله احتجاجا جماهيريا كبيرا وأدى الى انشاء المحكمة الخاصة بلبنان التي تدعمها الامم المتحدة وتنعقد قرب لاهاي حيث سيعرض محامو الادعاء يوم الخميس القضية ضد المتهمين الاربعة المتغيبين. وتضم هيئة المحكمة قاضيين دوليين وقاضيا لبنانيا.

وأشاد انصار الحريري الغربيون بالمحكمة باعتبارها فرصة لاغلاق فصل طويل من الافلات من العقاب في لبنان الذي كان ساحة للمفجرين والقتلة منذ الحرب الاهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990 مع احتمال ضئيل لمواجهة العدالة في المحكمة.

لكن الانفجار الذي أودى بحياة الملياردير رئيس الوزراء الأسبق دق أيضا إسفينا بين اللبنانيين السُنة الذين ينتمي اليهم الحريري والشيعة الذين ينتمي لهم حزب الله المدعوم من سوريا والذي وجهت التهم الى أربعة من أعضائه في عملية الاغتيال. ‭‭‭ ‬‬‬ وزاد تسمم هذه الاجواء بفعل الخلافات بشأن الحرب الاهلية في سوريا والتي جعلت مقاتلين لبنانيين من السنة والشيعة ينضمون على أساس طائفي الى الطرفين المتعارضين في سوريا كما امتدت عبر الحدود في صورة هجمات طائفية مميتة في المدن الرئيسية في لبنان.

وفي أواخر الشهر الماضي وقبل ثلاثة اسابيع فقط من افتتاح المحاكمة قتل مستشار مقرب من سعد الحريري نجل رفيق الحريري في انفجار سيارة ملغومة على بعد بضع مئات من الامتار من هجوم عام 2005. وبعد ايام هاجم مفجر انتحاري الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله.

‭‭‭ ‬‬‬وقالت نارا حاوي وهي ابنة زعيم شيوعي مناهض للرئيس السوري بشار الاسد قتل في يوليو تموز 2005 بعد خمسة أشهر من اغتيال الحريري “بعد نحو تسع سنوات يبدو ان الامور تسير نحو الأسوأ حتى أسوأ مما كانت عليه في ذلك الوقت.”

ولقي والدها جورج حاوي حتفه حين انفجرت قنبلة تحت مقعده في سيارته المرسيدس. وكان اغتياله واحدا من ثلاث قضايا أخرى يشملها تفويض المحكمة الدولية لكن نارا حاوي قالت انه ليس لديها فكرة عن كيفية إجراء التحقيقات.

وقالت “فيما يتعلق بالمحكمة هو أمل أكثر من كونه توقعات.”

ووفقا لوثائق الادعاء وتقارير المحققين كان الهجوم على الحريري في 14 فبراير شباط ضربة مدمرة خطط لها بدقة.

وقالت تقارير المحققين ان الانفجار كان بواسطة حافلة ميتسوبيشي صغيرة تحمل ما يعادل 2.5 طن من مادة تي.ان.تي الشديدة الانفجار تم تفجيرها بواسطة انتحاري ما زال مجهولا. وقتل 22 شخصا وأُصيب 226 .
ونزل نحو مليون شخص أي ربع سكان لبنان الى شوارع بيروت للاحتجاج على القتل. وخلصت تحقيقات مبكرة للامم المتحدة الى توريط مسؤولين سوريين في الاغتيال. وأدت هذه الاجواء بالاضافة الى الضغوط الدولية الى سحب القوات السورية من لبنان وإنهاء وجود عسكري استمر 29 عاما.

وركز المحققون في نهاية المطاف على شبكة من الهواتف النقالة التي يقول الادعاء ان قتلة الحريري استخدموها في التخطيط للتفجير وتنفيذه. وكثير من معلومات الادعاء التي نشرت حتى الان مرتكزة على تسجيلات هواتف يقول المدعون ان المتهمين الاربعة من عناصر حزب الله وشركاء لهم استخدموها.

وتشمل لائحة الاتهام أربعة أشخاص من بينهم المسؤول البارز في حزب الله مصطفى أمين بدر الدين (52 عاما) وهو صهر القائد العسكري الذي اغتيل عماد مغنية. والآخرون هم سليم جميل عياش (50 عاما) وحسين حسن عنيسي (39 عاما) واسد حسن صبرا (37 عاما).

وفشلت السلطات اللبنانية في تعقب اي منهم في السنوات الثلاث الماضية منذ إصدار لائحة الاتهام وسيحاكمون غيابيا بعدما عينت المحكمة محامين للدفاع عنهم.

والمشتبه به الخامس حسن مرعي أتهم العام الماضي بالمساعدة في الاعداد للهجوم ثم باخفاء تورط حزب الله المزعوم. ولم يوافق القضاة بعد على طلب الادعاء دمج قضيته مع الاخرين.

وستنعقد المحاكمة في صالة ألعاب رياضية تحولت الى قاعة للمحكمة في المقر السابق للمخابرات الهولندية على مشارف لاهاي. ويمكن ان تستمر الجلسات لسنوات.

وعقدت في نفس القاعة محاكمات دولية معقدة مثل محاكمة الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور التي استمرت ثلاث سنوات ونصف قبل النطق بالحكم.

وينفي حزب الله اي دور له في قتل الحريري ورفض التعاون مع المحكمة وهدد بالعنف ضد كل من يحاول اعتقال المشتبه بهم.

وحذر الامين العام للحزب حسن نصر الله في 2010 حين كانت المحكمة تعد لتسمية المتهمين الاربعة قائلا “يخطيء من يتصور اننا سنسمح بتوقيف احد من مجاهدينا…ان اليد التي ستمتد الى اي واحد منهم ستقطع.”
وتقول جماعة حزب الله الشيعية ان المحكمة هي أداة بيد اسرائيل التي خاضت حربا مع الحزب لمدة 34 يوما في صيف 2006 وان اسرائيل اخترقت شبكة الاتصالات في لبنان لافتعال قضية ضد الجماعة.

وشاب التحقيق ما بدا انه عثرات منها شهادة شهود انكروا لاحقا ما ورد في أقوالهم والاعتقال المطول بدون تهم لاربعة مسؤولين امنيين مؤيدين لسوريا والتسريبات الاعلامية مما قدم حججا لمنتقدي المحكمة وأكد انها ستبقى موضوعا مشحونا سياسيا.

وقبل ثلاث سنوات حين بلغ التوتر ذروته بشأن قرب صدور لوائح الاتهام أطاح حزب الله بحكومة وحدة وطنية بقيادة سعد الحريري نجل رفيق الحريري بعد ان رفض قطع علاقات لبنان مع المحكمة التي تتحمل بيروت 49 بالمئة من تمويلها.

وبعد وقت قصير على اسقاط حكومته واندلاع الانتفاضة في سوريا في اوائل عام 2011 غادر الحريري لبنان خوفا على سلامته مع تصاعد العنف الطائفي.

وظل في المنفى متنقلا ما بين فرنسا والمملكة العربية السعودية ولكن من المقرر ان يسافر الى المحكمة في لايدشندام خارج لاهاي لحضور بدء محاكمة تأمل الاسرة ان تتوصل للحقيقة على الاقل إن لم يكن العدالة.

وقال احمد الحريري ابن شقيقة رفيق الحريري لرويترز “الخميس يوم انتظرناه طويلا …انه شيء جديد للبنان. لمدة 40 عاما لم تكن لدينا عدالة وحقيقة لاي اغتيال.”

وقال الحريري الامين العام لتيار المستقبل السني انه حتى لو لم يتم القبض على المتهمين فان حكم المحكمة ضدهم سوف يضر بحزب الله.

وأضاف “العدل يمكن ان يأتي بطرق مختلفة. حتى لو انهم ليسوا في المحكمة… ما يقوم به حزب الله في سوريا وما فعل بصورته هذا ايضا جزء من العدالة التي نريدها.”

آخر تحديث: 10 يناير، 2017 1:05 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>