التعايُش… بالتوافق لا الإكراه

من قال إنه محكوم على اللبنانيين العيش وسط الحروب الساخنة والباردة والنزاعات المديدة وعدم الاستقرار؟ ومن قال إنه كتب على لبنان أن يبقى ساحة وصندوق بريد ودولة مغيّبة وشعباً أسيراً؟ ومن قال إن الجغرافيا مقدسة وقدسيتها تفوق قدسية الانسان؟
ومن قال إن التعايش يكون بالإكراه لا بالتوافق؟ ومن قال إنه يجب على فئة أن تخضع لشروط الفئة الأخرى؟ ومن قال إنه لا يجب الإقرار بحقّ كل فئة بأن تحيا وفق قناعاتها الدينية والسياسية والعقائدية؟ ومن قال إن الفصل خطأ إذا كان الوصل متعذراً؟ ومن قال إن الأولوية للوحدة حتى لو كانت مستحيلة؟
في بلد اللامنطق أو بالأحرى حيث الكلمة لمنطق القوة باتت القاعدة كالآتي: نحن من يحدّد دور لبنان وأنتم إمّا تخضعون أو ترحلون، هذا الدور الذي أدى غياب التوافق حوله إلى انزلاق لبنان لمواجهات بدأت مع اتفاق القاهرة ولم تنته بعد، ولن تنتهي قبل الإجابة الموحدة على سؤال: أيّ لبنان نريد؟
وفي هذا المجال تبرز جملة وقائع وحقائق لا بد من الإقرار بها:
أولاً، ثمّة قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين أنّ “حزب الله” لن يتخلى يوماً عن سلاحه وعن مشروعه الإقليمي.
ثانياً، ثمّة قناعة راسخة لدى الشريحة نفسها أنّ تسليم “حزب الله” لسلاحه لن يكون طوعاً، أي وليد قناعة ذاتية، إنما نتيجة تطورات إقليمية في غير مصلحته.
ثالثاً، ثمّة قناعة راسخة لدى بيئة “حزب الله” بأنّ سلاحه أبديّ وسرمديّ ويتخطى البعد السياسي إلى الديني.
رابعاً، ثمّة قناعة لدى الشريحة الأخيرة نفسها أن التطورات الخارجية ستتيح لها حسم الوضع لبنانياً باتجاه إعادة تجديد الوصاية السورية ولَو بآرمة جديدة.
ويبرز حيال ما تقدّم ثلاثة أسئلة: ما حظوظ الوصول إلى مساحة مشتركة بين الفئتين عنوانها الدولة ونقطة على السطر؟ والجواب صفر. والسبب في ذلك عائد لرفض “حزب الله” تسليم سلاحه، وسَعيه إلى فرض حلّ بشروطه.
والسؤال الثاني: هل يمكن تنظيم الخلاف طالما الاتفاق مستحيلاً؟ والجواب: كلا. والسبب أنّ “حزب الله” يريد الاستئثار بالقرار كله والسيطرة على البلد كله.
والسؤال الثالث: هل يمكن لبلد أن ينهض في ظل وجود جماعة مغلوب على أمرها أو أخرى غير معنية بالبلد من أساسه؟ والجواب كلا. وبالتالي، هذا التكاذب المشترك محكوم بحدّين: إطباق “حزب الله” على لبنان بالكامل، أو استمرار الأوضاع على هذا النحو.
وإذا كان من سؤال رابع، فهو: أيّهما أفضل التعويل على التطورات الخارجية لترجيح كفّة فريق على آخر أم إعادة تشكيل البلد بما يتلاءم مع تطلعات كلّ فريق؟ والجواب: إذا كان وجدان جماعة معينة أكبر من لبنان، وتجاوزه للدستور والميثاق ليس نابعاً فقط من رغبته بالتجاوز، إنما مِن تَبديَته خياره الإقليمي على خياره اللبناني، انطلاقاً من دوره وشعوره وتطلعاته وإيمانه، فهل يجب محاسبة هذا الفريق على شعوره بأنه يجد نفسه في صلب الخيار الإيراني لا اللبناني، أم محاولة تفهّم مشاعره وإعادة صياغة النظام اللبناني على هذا الأساس؟ ولكن المعضلة أنّ “حزب الله” يرفض الإقرار بحقّ غيره ويريد إلزام اللبنانيين بخياراته؟

وفي الخلاصات يبرز الآتي:
1 – البلد يقترب رويداً رويداً من لحظة 13 نيسان 1975، وتكفي متابعة مناخات التعبئة والاحتقان وردود الفعل والتسلح الجاري على قدم وساق.
2 – مشروع “العبور إلى الدولة” فَقدَ رافعته الشعبية، إذ إنّ الجمهور يقترب أكثر فأكثر من التطرّف، ولم يعد يريد الاستماع إلى خطابات تتصِل بالدولة التي تقف عاجزة أمام قوى الأمر الواقع.
3 – الرأي العام أصبح أقرب إلى الفصل من الوصل في ظلّ إدراكه استحالة التوافق على تحييد لبنان وعودة القرار الاستراتيجي إلى داخل الدولة.
4 – “حزب الله” لا يمكنه استنساخ تجربة الوصاية السورية لأنه فريق داخلي لا خارجي، فضلاً عن فشل تجربته بوَضع يده على الدولة ديموقراطياً، هذه التجربة التي وصل إلى أوَجّها مسيحياً مع وثيقة التفاهم، وسنياً مع إسقاط الحكومة الحريرية، فيما اليوم أصبحت كل الطائفة السنية ضده و”التيار الوطني الحر” يعيد تموضعه ولو جزئياً.
5 – ثمّة إدراك لدى شريحة واسعة من اللبنانيين أن الوقت بات يعمل لصالح مشروع الدويلة، وأنّ الرهان على تطورات الملف السوري لتغيير الوقائع الداخلية لم يعد في محله، وأنّ هناك خطوات يجب اتخاذها لوَقف قضم الحزب المنهجي للدولة.
إنّ كل ما تقدّم يؤشر إلى أنّ اللبنانيين سئموا من هذه المراوحة، وأنّ قدرتهم على الاستيعاب تضاءلت إلى حدود الصفر، وأنّ استمرار هذا الوضع سيقودهم إلى خطوات جذرية لا يمكن أن يحول دونها سوى الاتفاق سريعاً على عنوان أوحَد هو الدولة.

آخر تحديث: 13 نوفمبر، 2013 9:47 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>