عاشوراء العاملية: الحسين حرّا من التوظيف الرخيص

بينما تتبارى المجالس العاشورائية هذه السنة وتجترح فنون التعبئة والتحريض وتقسم الناس بين أتباع الحسين وأتباع يزيد، يظل المجلس العاشورائي الذي تقيمه "العاملية" في بيروت منبراً للوحدة الوطنية الذي يجسّد الاعتدال الشيعي وفكره الحقيقي.

العام 1923 أسّس الزعيم الشيعي البيروتي رشيد بيضون “الجمعية الإسلامية الخيرية العاملية” كي يتعلّم أولاد الشيعة القاطنين في العاصمة، والمهدورة حقوقهم السياسية بحجّة أن لا متعلّمين ومثقفين في الطائفة الشيعية في ذلك الزمان.

و”رشيد بيضون هو أوّل من نصب خيمة عاشورائية في بيروت عام 1929″، كما يقول مدير مكتب الجمعيّة الأستاذ محمد حمادة، ويضيف: “رسالة عاشوراء بالنسبة الى الجمعيّة، كما أرادها المؤسّس ويحافظ عليها النائب السابق محمد يوسف بيضون، الرئيس الحالي للجمعية، هي الوحدة بين المسلمين، فلا هضم لحقوق الشيعة في حقّهم بإقامة هذه الشعائر الحسينية كل عام، ولا استفزاز من قبلنا للطائفة السنّية الكريمة بإطلاق شعارات لا تتوافق مع معتقداتهم، أو تنظيم مسيرات تظهر وكأنها تحدّ لوجودهم في العاصمة”.

وعن لغة المجلس الحسيني في العاملية وخطابه يضيف حماده: “بعيدا عن أشكال الإسقاطات والمبالغات كلّها، التي تثير الحماسة وتخرج المناسبة من إطارها الرسالي، نتميّز بأسلوب هادئ وعقلاني جامع، فالحضور الشيعي يفد من جميع المناطق في بيروت”.

ويحضر المجلس الرسمي المركزي في اليوم العاشر، في العادة، رئيس الحكومة وممثلين عن المجلس الإسلامي الشيعي الإعلى، ونواب بيروت باختلاف طوائفهم، وتكون كلمات لممثلي الطوائف والمذاهب جميعها، الإسلامية منها والمسيحيّة.

هو مجلس الاعتدال الشيعي، تغيب عنه الشعارات السياسية والحملات التحريضية كما يجري حاليا في المجالس العاشورائي بين ضاحية بيروت الجنوبية والجنوب والبقاع. هناك حيث الشعارات الحسينية تختلط مع شعارات “لن تسبى زينب مرتين” و”لبيك يا زينب”، ومع صور “شهداء سوريا” المدافعين عن نظام بشّار الأسد.

حملات التجييش والتحريض في المجالس الحسينية هذه السنة في الذروة، والحرب في سوريا أذكتها، والدعاية من قبل حزب الله من أجل تقديس هذه الحرب عن طريق ربطها وإسقاطها على الواقع الحالي كما لو أنّ “الحسينيين” يقاتلون “التكفيريين”. ويوظّف الحسين وسيرته لتجييش شيعة لبنان نحو القتال في سوريا ضدّ فصائل المعارضة الثائرة على نظام البعث في سوريا، باعتبارها “جيش يزيد وأتباعه”.

في العودة إلى المجلس العاشورائي في الجمعية العاملية، منبر الاعتدال الشيعي الذي لا يستفز أحداً، فقد استفزّ العام الفائت إحدى صحافيات الممانعة التي تعمل في إحدى الجرائد الحليفة لـ”المقاومة” ونعتت المجلس العاشورائي إياه بأنه “كلاس”، ولا “يتقنون البكاء”، ولا يقيمون مسيرات، وغيرها من الانتقادات والعبارات، وسخرت من الحاضرين في هذا المجلس العريق، وذمّت بقوة الطبقة الميسورة الشيعية التي تحضره. كما لو أنّه يجب ألا يحضر مجالس عاشوراء إلاّ الفقراء المعصبي الرؤوس الذين يهتفون للقائد ويتحدّون أعداءهم في الطائفة المقابلة، ويطلقون مسيرات في اليوم العاشر ليظهروا قوتهم وتفوّقهم على باقي فئات الشعب اللبناني.

“لا يوم كيومك يا أبا عبد الله”، لكنّ الحسين حاضر كل يوم في مدننا وقرانا، حاضر في رسالته الإنسانية الخالدة الجامعة، وفي وجدان كل محب لوطنه ومخلص يطلب الإصلاح على طريقة “إنما خرجت طلباً للإصلاح في أمّة جدّي”. أما الفاسدون فيسترون أنفسهم بالشعارات الحربية والقتالية والتحريضية التي تؤجّج الطائفية، وباتوا هم الحسين ومن يعارضهم يزيد، في إسقاط هو الأبشع والأكثر امتهاناً لثورة الإمام الحسين، وهو ما ثار إلا ضدّ الحاكم الظالم ونصرة للشعب المظلوم.

هكذا فهمنا الحسين ونحن صغار عندما كنا نستمع عبر المذياع إلى المجالس الحسينية التي تقيمها العاملية، وهذا ما سنظلّ نفهمه ونعيه.

آخر تحديث: 12 نوفمبر، 2013 4:33 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>