حوار اسلامي مسيحي علماني: هل هو نقاش اللحظة؟

نظمت اللجنة التحضيريه لـ"ملتقى الأديان والثقافات والحوار" الأربعاء الفائت "الحوار الإسلامي – المسيحي – العلماني"، الذي رعاه العلاّمة السيد علي محمد حسين فضل الله. اللافت كان غياب المجلس الاسلامي الشيعي ومحورية دور الزميل قاسم قصير وركاكة بعض الكلمات من حيث تكرار معلومات عامة وتغييب الأزمات الحقيقية، التي أبرزها التطرّف.

إذا كانت منتديات الحوار الإسلامي المسيحي تعجّ بها الساحة اللبنانية، فإنّ دخول العلمانيين على خط هذه الحوارات يعتبر بادرة جيدة لا تخلو من تنوير وسعة أفق.

 وقد كان من بين حضور حفل إطلاق ” ملتقى الأديان والثقافات للتنميه والحوار” الأسوع الفائت، عدد من الشخصيات الدينية والسياسية. كما حضره عدد من الإعلاميين والناشطين في الحقل العام من مختلف المناطق اللبنانية.

هذه الرؤيا التعدّدية التي أراد المنظمون طرحها، وحشدوا لها خمسين شخصية متنوّعة في الهيئة التأسيسية كان البارز فيها أيضاً وجود أحد الشخصيات القديمة الجديدة وبصمته حاضره في الحفل، وهو العلاّمة اللبناني الشيخ حسين شحادة الآتي من سوريا قسراً وتهجيراً بعد وصول المعارك إلى الحي الذي يسكنه قرب السيدة زينب في دمشق. والشيخ شحادة هو أحد المؤسسين البارزين للملتقى الى جانب الداعي والراعي العلامة السيد علي محمد حسين فضل الله، ويعوّل على طاقة الشيخ العلميّة والأدبية التي لطالما عرف بها الشيء الكثير، وهو كان يصدر مجلته الفصلية الإسلامية الثقافية “المعارج” في لبنان من ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم.

واللافت أن وجود حزب الله كان بارزاً في هذا الحفل، ومثّل قيادة الحزب غالب أبو زينب وحضره أيضاً النائب محمد رعد، كما حضر ممثل عن حركة أمل. هذه المؤازرة من التنظيمين الشيعيّين، لا شك أنها تعكس رضى عن سياسة الداعين لهذا الملتقى الحواري الذي لن يخرج في النهاية بتوصيات تتعارض مع الثوابت السياسية للطائفة الشيعية كما يريدها القيمون عليها، وهي المقاومة – التحالف مع النظام السوري – والوصاية الإيرانية على الطائفة.

نجح الاحتفال في الحشد الداخلي الذي عمّ القاعة وملأها بشخصيات فاعلة محلّيه وعربيّة وبمندوبين عن الأحزاب السياسية اللبنانيّة، وكانت لمسة الزميل الحاج قاسم قصير بارزة بوضوح، وهو كان ينتقل من طاولة إلى طاولة، ومن حلقة إلى حلقة محيّياً المدعوين والإعلاميين على وجه الخصوص. كما نجح الحفل في إبراز التنوّع المشارك، إذ أن برنامجه ضم كلمات لممثلي الطوائف والمذاهب جميعها دون استثناء، رغم عدم حضور أحد من رؤساء الطوائف بشكل شخصي، وغياب شخصيّة تمثّل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أو دار الإفتاء الجعفري. غياب لم يعرف سرّه بعد، ولم يعرف أيضاً إن كانت الدعوة قد وجّهت للمجلس أم لا، وهو سؤال برسم المنظّمين، وحتى يتمّ التوضيح نفترض أن حضور حزب الله وحركة أمل البارز زوّد المنظمين بالشرعيّة الشيعية وأغناها عن طلب البركة من الشيخ عبد الأمير قبلان من أجل عقد هذا اللقاء.

وإذا كان الحاضرون قد لاحظوا تقصيراً من قِبل الذين اعتلوا المنبر وألقوا كلماتهم النيابية عن الشخصيات التي مثّلوها من ناحية “عدم التحضير” والتسرّع وربما ركاكة كلمات البعض الذين لم يكونوا بمستوى اعتلاء المنابر، فإن الملاحظة الكبرى الثانية كانت غياب الحساسيّة. فالقضية الحيّة التي يجب أن تكون حاضرة بل وطاغية الحضور في أي ملتقى حواري هذه الأيام، وهو هاجس تفاعلات الأزمة السنّية الشيعيّة في لبنان والعالم العربي وعلى جميع المستويات: الاحتقان المذهبي في الشارعين، ظهور التطرّف والمغالاة في الأوساط الشعبية، دور رجال الدين في الحدّ من التراشق في الفتاوى التكفيرية، دور السعودية وإيران في قيادة ورعاية هذه الحالة الشاذة التي حوّلت المذهبيين إلى معسكرين متقابلين.

 صحيح أن الملتقى يدعو إلى حوار إسلامي – إسلامي إلى جانب الحوار مع المسيحيين والعلمانيين، لكنّ المسألة الحاضرة والملحّة والتي تحتاج الى حوارات مكثّفة وعاجلة هي الأزمة الشيعية السنّية التي تعصف في وقتنا الحالي العالم الإسلامي أجمع مهدّدة بالتحوّل الى فتنة عامّة. فهي يجب أن تكون القضية المركزيّة لأي مشروع حواري بسبب الخطورة التي يمكن أن تنشأ في حال بقيت حملات التجييش والتحشيد المذهبي في الشارعين السني والشيعي على ما هي عليه اليوم من وتيرة متصاعدة، اذ يجب الا يكون الحوار الإسلامي – الإسلامي فرعا من فروع الحوار، كما هو مطروح، فيضيع في غياهب النقاشات العموميّة وتاريخ العلاقات بين المذاهب الإسلاميّة، وغيرها من المواضيع العامة التي تعوّدت المؤتمرات الحواريّة أن تطرحها وقد أرهقها التكرار وتبسيط الأهداف وإهمال المغزى الحقيقي الذي يجب أن يهدف الى  اعادة اللحمة إلى تلك الشرائح الاجتماعية المتنوّعة المهدّدة بالتقاتل والتناحر في أيّة لحظة.

نجح “الملتقى في إيجاد حيّز له ولمن نظّمه وانتزع أرضية لا بأس بها لبداية عمله الحواري، وبدا أن الساحة الشيعية تحتمل هذا النوّع من النشاطات العامة كما تحتمل بروز بعض الشخصيات الدينية والزمنية ذات الصبغة الاستقلالية النسبيّة عن قطبي الطائفة، وعلى أمل أن يكتمل برنامج الملتقى ليصل الحوار المنشود إلى معالجة المشكلة الأساس وهو التصدي لمشروع الصدام الشيعي– السنّي في المنطقة، فإن خير ما نتطلّع اليه أن يكون حفل إطلاق هذا الملتقى هو بداية لعمل حواري نوعي يليق بسمعة وتاريخ من دعا اليه كي يكون علامة فارقة بين المؤتمرات واللقاءات الحوارية بين الطوائف التي ينتظم منها العشرات في بلدنا كل عام.

آخر تحديث: 4 نوفمبر، 2013 2:29 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>