الجنوب الآمن.. مقبرة عامة

هكذا أصبح الموت عزاء الاحياء، والنشاط الاجتماعي الوحيد. اذ لا حياة خارج الاحتفاء بالراحلين. ولعلها دينامية الموت حين تتحول الى وظيفة للتنبيه للحياة: "الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا". ثمة شحوب يلفّ القرى. فالأمن لا يتحول الى أمان. بل ثمة عويل مكتوم في ارجاء القرى. كأني بالظلال تصرخ: لماذا يلاحقنا الموت او نلاحقه؟ لماذا تتحول القرى الى مجرد مقابر؟ أهي مقابر آمنة؟ نعم، لكن مقابر.. تدفن ابناءها الموتى، وتدفن احلام المقيمين فيها.

 

تنعم مناطق لبنان الحدودية مع اسرائيل بهدوء واستقرار امنيين.

تعددت الاسباب لكن الامن ثابت فيها، اذا ما قيس ببقية المناطق اللبنانية… او العربية حتّى. فهي تخضع للقرار الدولي 1701، وينتشر فيها اكثر من 10 آلاف جندي دولي، و5 آلاف من جنود الجيش اللبناني، الذي تناقص عديد قوته في السنتين الاخيرتين بسبب تداعيات الازمة السورية على مناطق لبنانية اخرى في الشرق والشمال والوسط.

هذا الأمن يظهر في تراجع استعداء القوة الدولية لدى “الاهالي” ان لم يقض عليه سواء من المطالبة بمقاطعتها، او التعرض لبعض دورياتها. كما تراجعت لغة التحريض ضدها باعتبارها “توفر للعدو معلومات امنية وعسكرية لمساعدته على العدوان ضدّ الجنوب”. وهذا ما يمكن ملاحظته من غياب الاحتجاجات او المظاهر العدائية كما كان الحال في المرحلة التي امتدت من العام 2006 الى مرحلة انفجار الازمة في سوريا.

الامن النسبي الذي يلمسه اي متجول في تلك المناطق يتمظهر ايضاً في ندرة الحوادث الامنية قياسا على بقية المناطق. وهو بلا شك ثمرة تعاون بين الفرقاء الفاعلين جنوب الليطاني، وصولاً الى العدو الاسرائيلي، بما يعبر عن حال الرضا والقبول لدى الجميع. خصوصا ان القدرة على خرق هذا الاستقرار متوفرة لدى الجميع ايضاً. هذا الامن النسبي يوفره ذاك الانهماك غير المسبوق في تاريخ هذه المنطقة بعدو آخر، يتطلب وضع اولويات جديدة. فمنذ بدأ حزب الله القتال في سوريا، بدأ الناس في العموم يكتشفون ان جبهة جديدة فتحت عليهم. وبمعزل عن الاسباب التي أدّت الى فتحها، ومن يتحمل مسؤولية تدفق الجثامين من مقاتلي حزب الله الى القرى والبلدات الجنوبية، فإنّك لن تجد بلدة من بلدات الجنوب لم تنل “نصيبها” من هذه الجثامين، او الجرحى.

الدم كفيل بترسيخ العداء، وبرسم صورة جديدة للعدو. فمع تنامي ظاهرة العداء ذات السمة المذهبية، تحول شرط المحافظة على امن المناطق الحدودية الى خيار وجودي. شرط يتطلب اكثر من اي وقت مضى عدم القيام بأي مغامرة تزعج العدو او تعكر صفوه على الحدود. فحتى قيام عمليات عسكرية من اجل تحرير مزارع شبعا خيار مرفوض اليوم.. هذا هو لسان حال معظم الذين دعوا في السابق الى تحريرها بالقوة العسكرية.

هذا الأمن النسبي على امتداد القرى الحدودية، المزينة ببيوت وقصور خالية من اصحابها، لا يترجم أماناً. اذ تبقى هذه المنطقة خالية من اي جاذبية للاقامة الدائمة. فلنأخذ مدينة بنت جبيل مثالا. هي التي تعدّ نحو سبعين الف نسمة مسجلين في لوائح قيدها. هناك يصعب ان تجد اليوم اكثر من ثلاثة آلاف مقيم.بالتأكيد فإنّ هجرة ابناء بنت جبيل بدأت منذ زمن بعيد، وشكل العدوان الاسرائيلي سببا اول لها، لكن عودة هؤلاء او بعضهم لم تتحقق. وهذا مثال ينطبق على معظم اخواتها الحدودية بنسب أعلى او ادنى. ولا يبدو ان شيئاً غير ذلك يمكن ان يتغير. فستبقى تلك القرى والبلدات تمارس اهم وظائفها اليوم، وربما وظيفتها الوحيدة: استقبال الجثامين من ابنائها المحملين من بلاد الهجرة، او من الجبهات السورية.

هكذا أصبح الموت عزاء الاحياء، والنشاط الاجتماعي الوحيد. اذ لا حياة خارج الاحتفاء بالراحلين. ولعلها دينامية الموت حين تتحول الى وظيفة للتنبيه للحياة: “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”. ثمة شحوب يلفّ القرى. فالأمن لا يتحول الى أمان. بل ثمة عويل مكتوم في ارجاء القرى. كأني بالظلال تصرخ: لماذا يلاحقنا الموت او نلاحقه؟ لماذا تتحول القرى الى مجرد مقابر؟ أهي مقابر آمنة؟ نعم، لكن مقابر.. تدفن ابناءها الموتى، وتدفن احلام المقيمين فيها. كأنما تلك البيوت الفارهة والفارغة هي شاهد على كيف أنّ الأمن ليس الا نتيجة للغياب. ففي تلك القرى تكتشف معنى المسافة بين الأمن والأمان، هي فقط المسافة بين الموت والحياة. قال احسان بزي، أبو رعد، حين التقيناه قبل ايام في بنت جبيل، وهو الذي ناضل وعاش فيها وعاشت فيه منذ ان سقط رأسه على أرضها قبل 67 عاما، أنّ “المدينة مثل سوق الخميس فيها، لم تعد حاجة لمحيطها، والبيوت الفارغة اضعاف عدد المأهولة، والمقيمون يتناقصون بالموت والهجرة”.

كأنّه، بسنواته الـ67، يشهد هزيمة المدينة وأخواتها، على يد الموت، فقرا وجسدا وهجرانا. وتكاد شفتاه تقولان: نكسة.

آخر تحديث: 15 أكتوبر، 2013 9:22 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>