ابناء داريا مصدومون ولا يصدقون ما يروج من اتهامات

إستفاقت داريا على واقع جديد يتمثل بوجود خرائط بـ”بنك أهداف” وكمية من المواد المتفجرة في احد المنازل في منطقة جبلية تنأى بنفسها عن الواقع السياسي لتنخرط بما هو أسوأ وأخطر. لم تكن داريا تعرف ما كان يُحاك لها، هي مقتنعة انها منطقة لا تُعنى إلا بالتجارة كما يصفها أهلها لكن مستجداتها الأمنية كشفت المحظور وطرحت فرضيات من “هب ودب” وأهمها إعادة هيكلة الجسم العسكري لتنظيم “القاعدة” عبر مجموعات منظمة وخلايا نائمة تجد في لبنان أرضية خصبة لها بغية تكرار سيناريو الإغتيالات بأبطال جدد منهم عناصر تابعة لـ ” جبهة النصرة”. إستنكر اهالي المنطقة بشدة كل ما قيل عن بلدتهم فبرأيهم يريدون ” إلصاق تهمة ارهابية بداريا ليست لها وتنفيذ مسلسل اجرامي ليس من إخراجها”، فهل صوّرت داريا بطريقة خاطئة كما يقول سكانها، وحُكم عليها قبل ان يصدر حكم الأجهزة الأمنية؟ غضب أهلها يؤكد انها مظلومة فهي تدفع ثمن ” تدجيل الإعلام “. داريا اليوم كرة تشتعل غضبا والسبب ” اهل الصحافة” وليس المتفجرات النائمة في “قعرها”.

الطريق المؤدية الى منطقة داريا سالكة، فالدولة مرّت من هنا حديثا وقامت بواجباتها فكان الزفت اول انجازاتها هناك. تمضي قُدما لتدرك ان المخطط التنفيذي كاد لينجح لولا العناية الإلهية، فالمنطقة بعيدة عن عيون الدولة والأجهزة الأمنية، منطقة نائية ، هادئة ومرغوبة ” لمن يقصدها”. ليس غريبا ان يقع الإختيار على هذه المنطقة تحديدا، فالرأس المدبر يُدرك تماما كيفية إختيار موقعه الجغرافي بدقة وحذر، حتى ينفذ مخططه الإجرامي. هدوء داريا يقابله غضب ممنهج، لم يرض اهلها ان تتحول الأنظار الى بلدتهم بخبر أمني هزّ المنطقة بأكملها .
“حذر مترقب” هكذا يمكن وصف داريا اليوم، يقف اهلها في المرصاد وكأنه ممنوع الإستفسار عما جرى في احد منازلها الحجرية. يرفضون ما تناقله الاعلام بمختلف وسائله، فداريا ليست أفغانستان او باكستان كما يقولون وانما منطقة لبنانية يصرّ البعض على تصويرها وكأنها خلية تنشط فيها الأعمال الارهابية. البعض مقتنع انها مجرد ” مفرقعات” لم تنفجر بطريقة صحيحة، فسقط سهوا محضِروها متأثرين بجروحهم البالغة. هي إذاً لعبة مفرقعات ضلّ لاعبوها الطريق ، فوقعت داريا بالفخ وصوّبت أصابع الإتهام عليها بالخطأ، فكانت النتيجة حادثة مؤسفة ذهب ضحيتها مصريان مضى على وجودهما في لبنان أكثر من 20 عاما. فرضية يريد مطلقوها ان نتبنى وجهة نظرهم دون سواها، فما تعيشه داريا من حزن واستغراب كفيل ان نغض النظر عنها ونحول دون السؤال عما كان يُحضر في المنطقة.

داريا ليست افغانستان
لم تأتِ الجولة الميدانية في ربوع داريا بثمارها الاستقصائية، فالصحافة في داريا أصبحت ” تدجيلا” وبالتالي تحوّل الصحافيون الى عملاء افتراضيين يتوجب ملاحقتهم. الأهالي ممتعضون مما جرى تناقله وليس مما تحتويه منطقتهم من متفجرات كادت ان تودي بالبلد الى كارثة حقيقية. ويروي احد الاهالي تفاصيل ما حدث بالقول ” لم نسمع شيئا ولم نعرف ان عبوة إنفجرت لولا تجمع الناس هناك (و يشير الى منزل المصري عبد اللطيف الدخاخني) . لكن ليس جائزا او مقبولا ان يُقال ان الشيخ أحمد عبد اللطيف الدخاخني إمام بلدة داريا، هو ليس إماما في البلدة ولا يقوم بأي مهام دينية أو إدارية في مساجد البلدة”. وما هي الا دقائق معدودة حتى تهافت العشرات الينا لمعرفة ما يجري، ليس غريبا ان نصبح نحن الحدث بعد ان كانت داريا هي الحدث بذاته. الكل يريد ان يوضح ما تناقلته بعض الوسائل الاعلامية عن ان الدخاخني إمام احد المساجد في داريا، متناسين ان الأهم هو سبب وجود عدد كبير من المتفجرات والعبوات وخرائط طوبوغرافية وصور مسح جغرافية للمنطقة.

بالنسبة اليهم إهتزت صورة داريا بالإشاعات التي تطلق عليها، صحيح انها ليست كأفغانستان لكن هذا لا يعني ان نمر مرور الكرام على وجود متفجرات تؤكد ان ما يحاك للبنان أكبر من مجرد عبوة إنفجرت عن طريق الخطأ. هذا ما يسعى سكان داريا الى إقناعنا به بالقوة، مكتفين بالقول ” لن نرضى ان يلبسوا داريا ثوبا ارهابيا ليس لها، نستنكر اي عمل ارهابي لكن لن نرضى ان يصورنا على ان منطقتنا خلية ارهابية، نحن منطقة لا تعنى إلا بالتجارة وبلقمة العيش”.

في حين اكد آخر ( وهو مترقب يجلس خارج دكانه ، متفرجا سارحا بمنقطته) ان انفجار العبوة لم يصدر صوتا ولم نعرف بها إلا بعدما ضربت الأجهزة الامنية طوقا أمنيا حول المنزل. كل ما قيل عن داريا والمخططات الإرهابية التي كانت بانتظار لبنان عارية عن الصحة، نحن امام حالة مبالغ فيها لدرجة اصبحت داريا متورطة بجرم لا ذنب لها فيه. “صحيح ان العالم زعلانة وعلى اعصابها ” كما يقول المخضرم في وضع البلدة لكن هذا لا يعني ان تتحول اصابع الاتهام اليها والى كل هؤلاء المصريين ” يلي ما بيطلع هسهم”.حقيقة واحدة يحاول الكلّ إقناعك بها “لا يمكن للأخوين الدخاخني ان يحضرا لمخطط ارهابي” كما يقول البعض، “هم ناس طيبة ما بيعملوا هيك، في شي غلط “.
داريا تنتفض غضبا واستنكارا على ضحاياها، وتغضّ النظر عن العبوات التي كانت تتلقفها على انها ” مفرقعات”. ورغم ان احمد عبد اللطيف الدخاخني يقيم في بلدة داريا منذ مدة طويلة، ومتزوج من امرأة لبنانية من عكار ولديه ثلاثة أولاد خارج المنزل، إلا انه أقدم على هذا الجرم بوعيه الكامل. لم ترأف دموع احدى السيدات ودفاعها عن الأخوين بإعلان براءتهما، فهما مذنبان حتى صدور نتائج التحقيقات. وتقول احدى سيدات المنطقة وهي تبكي متأسفة على موت المصريين انها “لو رأيتُ في عيني انهما يحضران لشيء لن اصدق ذلك، هما ملاكان هادئان لا يؤذيان احدا، يعملان ليكسبا لقمة عيشهما بشرف”. وتستطرد اخرى بالحديث “هو يدرس تعاليم دينية، لا علاقة له لا بالأحزاب ولا بخلايا اخرى، يعيش معنا وبيننا منذ 25 سنة، لن يقدم على هذه الفعلة، مستحيل”. البعض مقتنع بأن المفرقعات هي سبب هذا الحادث المؤسف، في حين يعترف البعض الآخر بالعثور على بعض المتفجرات والخرائط إلا ان لا احد يعرف ما يجري إلا الأجهزة الأمنية، فهي وحدها تمتلك هذا الدليل الملموس.

التكتيك الاستراتيجي
مما لا شك فيه ان حادثة داريا تكتسب حساسية زائدة بسبب قرب البلدة من الطريق الساحلية المؤدية الى الجنوب، الامر الذي يترك باب الاحتمالات مفتوحاً. إذ تشير التحقيقات الى أنّ “المهمّات المطلوبة من هذه الخليّة هي تنفيذ أعمال إرهابيّة على قاعدة “التكتيك الاستراتيجي” تستهدف الجيش اللبناني وثُكَنَه، بالتعاون مع عناصر إرهابيّة تابعة لـ”جبهة النصرة” موجودة داخل مخيّم عين الحلوة”، فضلاً عن التخطيط لتنفيذ اغتيالات تستهدف شخصيات سياسيّة وأمنيّة، بحيث كشفت التحقيقات عن وجود نيّة لدى عناصر هذه الشبكة لتكرار سيناريو الاغتيالات الذي شهده لبنان في الأعوام المنصرمة الماضية. وهناك تخوف ان تكون “اليونيفيل” هي المستهدف او شخصية حزبية او أمنية تسلك الطريق الساحلية في دائرة الاستهداف، ولكن تبقى مجرد فرضيات الى حين جلاء الصورة وصدور نتائج التحقيقات.
وفيما أعلن وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل أنّ التحقيق في حادثة داريا لم يتوصل حتى الساعة الى أي شيء، مشيرا في الوقت عينه إلى أنّ الخرائط التي عثر عليها في المنزل تتضمّن تحديدا ثلاثة أماكن كانت “برسم الاستهداف” وبينها منطقة سكنية، وكان لافتا أنّ المعلومات الصحافية تقاطعت على فكرة أنّ ما كان يُخطّط للبلد خطير جدا. وبين التضخيم كما علّق اهالي داريا على هذه العبوة والدلائل التي في حوزة الأجهزة الأمنية، خضة امنية – إجتماعية تتطلب أكثر من “إستنكار” و”استهجان” لمواجهة أيادي الشر التي تعبث في سلم لبنان.

آخر تحديث: 6 أغسطس، 2013 1:53 ص

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>