تمشي كجثة باردة منهوبة كمدينتها حلب

وقفت الى المرآة تدرب نفسها قبل الخروج من شقتها في حلب. تخفض رأسها وتسترق النظر الى رأسها يطالع الأرض، في محاولة للتأكد أنها باتت جاهزة. تخاطب نفسها: تمرني جيداً، لن ترفعي ناظريك بعد الخروج من هذا الباب. الروائح المتسللة من خلف الزجاج تنبىء بأن كل شيء بشع. نزولها الدرج اشبه بهبوط الهاوية. خانت عهدها لنفسها، تسمرت امام بنايتها تتفحص الشارع. دمار ابنيته ووجوه المسلحين. بعضهم يعبق بغبار القتال، وآخرون ترتسم بعيونهم صورا بخلفية حمراء. يرميها واحد بتحية، ويسارع اﻵخر الى تقليده. التحية الأولى من دون اسم. اما الثاني فيمنحها اسم ام احمد. صباح الخير ام احمد. ﻻ جواب. هي اﻵن تحفظ العهد الذي قطعته لصورتها في المرآة. تمشي كجثة باردة، لا تعرف شيئاً عن الحياة او الموت. علّقت عيونها على الارض، سمرّتها على طريق اسفلته دم وغباره مجبولة بأرواح قديمة. من حولها سواتر الرعب مزنرة بأبنية مدمرة وركام هيستيري وكراس لا مقاعد لها. شعرت انها منهوبة تماماً كمدينتها. احكمت يديها على ما تحمله من اكياس، داهمها احساس انها ستكون هي اﻷخرى في كيس…. لا مكان لدفنه.
* قصة متخيلة عن صورة التقطها الايطالي فابيو بوشاريلي عن سلسلة صور عنوانها “معركة حتى الموت”، خلال معارك في خريف 2012 في مدينة حلب شمال سورية

آخر تحديث: 4 أغسطس، 2013 6:00 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>