خيرالدين في مواجهة جنبلاط وارسلان في حاصبيا

في الانتخابات البلدية الأخيرة كان التوافق بين وليد جنبلاط وطلال ارسلان سمة غالبة في البلدات ذات الأكثرية الدرزية. وهو ما حصل في مدينة حاصبيا الجنوبية، حيث حلّ التوافق ضيفاً ثقيلاً على نفوس كثرٍ من أبنائها، وتحديداً “الاشتراكيين” منهم، الذين قبِل منهم على مضض خيار “الرئيس” جنبلاط، فيما آخرون غرّدوا خارج السرب وشكّلوا لائحة منافسة خرقت تلك التوافقية بشخص واحد، ما لبث ان استقال.

وأتى التوافق بغسان خيرالدين، المقيم في بيروت، وعمّ وزير الدولة في حكومة تصريف الأعمال حالياً مروان خير الدين، رئيساً لبلدية حاصبيا. لكنّ عمل المجلس البلدي تحوّل بعد فترة قصيرة على الانتخابات مناكفات وعدم انسجام بين الأعضاء ورئيس البلدية. اليوم وبعد ثلاث سنوات من عمر المجلس البلدي، انفجر الخلاف. وبحسب مصدر قيادي في “الحزب الديمقراطي اللبناني” الذي يرأسه ارسلان والمفترض أن خيرالدين محسوب عليه، فإنّ رئيس البلدية “يتواجد في حاصبيا يومين في الأسبوع كحدّ أقصى، ما يؤدّي إلى تأخير المعاملات البلدية”، وهو ما دفع بـ”الديمقراطي” – وفق المصدر نفسه – إلى “سحب يده من رئيس البلدية بتوجيه من إرسلان نفسه، نتيجة عدم رضا الأخير عن أسلوب عمل الرئيس، وبعد أن تعاظم الخلاف بينهما”.

ونقل المصدر “الديمقراطي عن لسان إرسلان قوله إنّ “الديمقراطيين لا يهمّهم من يكون في رئاسة البلدية، فالمهمّ أن يقوم بواجباته على أكمل وجه، وأن يخدم الناس”، وهذا ما لم يتمّ بالشّكل الذي تمنّاه أهالي حاصبيا في السنوات الثلاث الأخيرة، “فكان التوجّه لإحداث تغيير جذري في العمل البلدي”. وتابع المصدر: “رأينا أنّه من المجحف أن تتابع البلدية عملها بالشكل الذي هي عليه حالياً، لكنّنا فضّلنا عدم حلّ المجلس البلدي والدّخول بانتخابات بلدية في هذه المرحلة التي يمرّ بها الوطن، لذا طرحنا استقالة الرّئيس وإفساح المجال أمام أحد الأعضاء للحلول مكانه بتوافق لمتابعة السنوات المتبقية من عمر البلدية”.

في السياق عينه، أكّد مصدر مطّلع في “الحزب التقدمي الإشتراكي” أنّ “الخلاف بين رئيس البلدية والأعضاء ظهر فعليّاً إلى العلن بعد انتخابات رئاسة إتحاد بلديات الحاصباني، إذ إن التوفق كان على خيرالدين في رئاسة البلدية فقط، لكن أي اتّفاق لم يحصل على رئاسة الاتّحاد. وكحزب “إشتراكي” نجزم أنّنا لم نخلّ بالاتّفاق الذي كان قائماً، والبلدية أتت بالتوافق لذا لا نريد أن نهدم هذا التوافق”.

لكن خير الدين أصرّ على ترؤّس الاتحاد والاحتفاظ برئاسة البلدية في آن، وهو ما لم يوافق عليه “الاشتراكي” الذي أوصل منير جبر إلى رئاسة الاتحاد.

وعلى الرّغم من عدم رضا إرسلان عن خيرالدين، لم يتقدم الأعضاء المحسوبون على “الديمقراطي” باستقالاتهم من المجلس البلدي، لأّنهُم، بحسب المصدر “الاشتراكي”، يحاولون “تحصيل شروط معيّنة، منها أن تبقى الرئاسة لهم بعد استقالة الرئيس الحالي، إلّا أنّ هذه النوايا لم تظهر إلى العلن، لكنّ لهؤلاء حسابات شخصيّة وسياسيّة واضحة”.

وأوضح المصدر”الاشتراكي” أن “الامتعاض على أسلوب عمل خير الدين وصل لدرجة أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي أجرى نوعاً من الاستفتاء ضدهُ في البلدة، وكان الأعضاء المحسوبون على “الاشتراكي” هم فقط الذين حاولوا العمل معه، إلى أن تمادت المشكلة بعدما حصر خيرالدين جميع الأمور الإدارية بيده، على الرغم من أنه يمضي معظم أوقاته في بيروت، فلا يحضر إلى البلدة سوى 24 ساعة من الأربعاء ظهراً حتى الخميس ظهراً من كل أسبوع، ما يؤدّي إلى تأخير المعاملات البلدية”.

وأضاف المصدر: “أمام ذلك بادر بعض الأعضاء إلى طرح الثقة برئيس البلدية، إلا أنّ قيادة “الإشتراكي” تدخّلت لسحب ذلك بتوجيهات مباشرة من جنبلاط، الذي يفضّل أن يكون الأمر متوافقاً عليه لتجنيب المدينة أي خضّة بغنى عنها راهناً، وتم الاتفاق على تفعيل أطر التواصل بين الأعضاء المحسوبين على “الإشتراكي” وخيرالدين وأن يحصل تغيير ما على مستوى العمل البلدي، لكن خيرالدين لم يقدم على أي خطوة في هذا المجال، فتجدّد الخلاف، وتطور إلى تقديم استقالات جماعيّة من المجلس البلدي، دون علم الحزب الإشتراكي، الأمر الذي تفهّمتهُ قيادة الحزب وتحديداً جنبلاط الذي احترم آراء وتحفظات الأعضاء المستقيلين، حتّى لو لم يرضَ عن موضوع الاستقالة، على اعتبار أنّ “الوقت غير مناسب لخلافات محليّة من هذا النوع خصوصاً فيما يعاني البلد من أزمات”.

أحد الأعضاء المستقيلين الدكتور محمد مكنّا، قال إنّ “الوضع غير مقبل على تسوية، إلّا إذا تخلّى خيرالدين عن رئاسة البلدية ليتفرغ لرئاسة “الإتّحاد”، أمّا أن يكون هو في الاثنين فهذا لن يحصل”. وأكّد مكنّا أنّ “استقالة الأعضاء حُسمَت ولا عودة عنها،لكنها مجمّدة لدى المحافظ لمهلة شهر واحد كحدّ أقصى، للإفساح بالمجال أمام أي تسوية قد تحصل، فحتّى الآن استقال 9 أعضاء من أصل 15، ما يهدّد البلديّة باعتبارها منحلّة حكماً”.

إلا أن رئيس البلدية غسان خير الدين قال إنّ “لا فضل لأحد في تأسيس إتّحاد بلديات الحاصباني”سواه، وأنّه “الأحقّ” بترؤّسه “طالما أنّ الاتّفاق قد أفضى إلى اعتبار إتّحاد بلديات الحاصباني تابعا لبلدية حاصبيا”. ورأى خيرالدين أنّ “الإشتراكي أخلّ بالاتّفاق الذي حصل قبل قيام الاتحاد لأسباب سياسيّة بحتة”. ودعا “من يريد خيراً أن يترك السياسة جانباً، وأن ينخرط في العمل الإنمائي فقط”. وأكّد أنّ استقالتهُ “ليست مطروحة بعد وغير واردة”، وأضاف: “أتحدّى أي مجلس بلدي أن يكون قام بمشاريع مشابهة لمشاريع المجلس الحالي،فأنا أنجزت 90 مشروعاً في سنتين ونصف”، نافياً ما أشيع عن تأخر المعاملات البلدية نتيجة سكنه في بيروت، مؤكّداً أنّ أساس الخلاف “سياسي بحت”.

وعن أجواء اللقاء الذي حصل بينه وبين جنبلاط، وصفها خيرالدين بـ”الإيجابية”، وأنه ينتظر”ربع الساعة الأخير، ليبنى على الشيء مقتضاه”.

لكن مصدراً مقرّباً من قائمقام حاصبيا وليد الغفير، كشف أنّ “الأجواء تتّجه إلى استقالة رئيس البلديّة”، مشيراً إلى أنه “خلال حفل افتتاح مدخل البلدة وسوق الخان وتدشين بئر إرتوازية حضرهُ الوزير مروان خيرالدين (ابن أخ رئيس البلدية)، سَأل الغفير الوزير خيرالدين عن موضوع البلديّة، فأتاه الجواب من الأخير بأنّ الإنماء في حاصبيا يحتاج لتفرّغ كامل، وهذا ما لم يستطع عمّه (غسان) أن يفعله خلال السنوات الماضية، بحكم أنّ عملهُ وعائلتهُ بكاملها في بيروت، لذا فليتمّ الإفساح بالمجال أمام رئيس جديد وهو مستعدّ لمساعدته، بالرّغم من أنّ الوزير يعارض هذه الاستقالة”.

أمام كل ذلك، تتفق مصادر “الإشتراكي” و”الديمقراطي” على أنّ الأمور تتّجه إلى “حلحلة ما” للأزمة من خلال حلّ وفاقي، قد تكون إحدى صيغه تقسيم المرحلة المتبقية من عمر البلدية بالتساوي بين الطرفين بصيغة “سنة ونصف – سنة ونصف” برئاسة البلدية والاتّحاد، مداورة بين “الإشتراكي” وفريق”الديمقراطي” و”القومي”، وإذا كان رئيس الاتحاد الحالي منير جبر من قيادات “الإشتراكي”، لذلك فإنه من المنطقي أن يكون رئيس البلدية القادم – في حال استقالة خيرالدين – من “الديمقراطي”.

أمّا الاتّفاق على آلية تقسيم المرحلة المتبقية، فيتمّ بعد الاتّفاق على العناوين الكبرى والحلّ الجذري للأزمة.

آخر تحديث: 28 يوليو، 2013 4:07 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>