خليل حاوي شاعر برتبة شهيد

في حزيران من سنة 1982 مزّق خليل حاوي آخر قصيدة كتبها للمقاومة والتحرير، عندما شاهد، من شباك مرضه في بيروت، دبابة إسرائيلية تعبر شارع عبد الناصر وهي مكللة بالنصر وحولها هزيمة مركونة في كل زاوية من زوايا أبوات الثورة وزواريب الحروب.
من فوّهة مسدسه الصغير، الذي حمله منذ النكبة ليطلق منه رصاصة واحدة احتفالاً بالعودة وفوق تراب فلسطين، خرجت رصاصة الرحمة لتغتال الهزيمة التي رآها بأمّ عينه المريضة، ولتستقر في رأسه الذي نزف ما تبقى من حبر وشعر لم يصلا للصلاة خلف نعش عربي لم تتسع له حفرة مقاتل، لأن القتيل جثّة وطن مرفوعة فوق جثث من عفن عربي قديم.
لماذا يقتل الشاعر نفسه؟ سؤال متصل بأسئلة تهمّش الإجابات الوعظية والغيبية وتلك القادمة من نصوص صفراء أكل غبارها ذُباب المكاتب.. لماذا؟ علامة تتجاوز السؤال المستفهم والسائل، لأنها تتضمن حالة خاصة، مزاجٌ لا يمكن فهمه ببساطة الموت الطبيعي، أو القتل المتعمّد، أو الشهادة التي تبعث على شيئين متشابهين وملتبسين بين ماهيّة الثورة ومعنى الثروة.
من هنا تبدو رصاصة خليل حاوي، رصاصة قادرة على اختراق الجسم الذي بناه في داخله حجراً حجراً، وتبيّن له في لحظة تجلٍّ وشاعرية أنّ قواعد البيت والهيكل وأركان الجسم ووظائفه مجرد ألعاب وضعها المُصنّع العربي بطريقة سهلة التفكيك، لذا كان سقوطها الكامل دليلاً على هشاشة المبنى الذي ظنّه الكثيرون من أهل فلسطين ورشة غير قابلة للتصدّع أو الانهيار ومهما كانت طبقات الأرض ضعيفة وموجات الهزّات صعبة، لأن في داخلها إرادة بشر في صنع "الله" العربي.
يستطيع خليل حاوي أن يطلق الرصاص على نفسه ليغتال الثورة التي تحوّلت إلى دبابة إسرائيلية تعبر شارع عبد الناصر وياسر عرفات وثوّار الجزائر وحركات التحرير العربي وطرق البعث المبعثرة يمنة ويسرة على طول الأوتستراد العربي. فلم يستطع الشاعر أن يقتل نفسه وثورته وتجربته وتاريخه ولكنه لا يستطيع، أن يطلق الرصاص على مواطن كان يقف في طابور الأفران ليشتري لعائلته رغيف خبز بعد أن حاصرته نار الثوّار، او على عدو ربح ما خسرناه وخسرنا ما ربحه لأنه نموذج لبناء الهرم من جديد وعلى مشروعية الهزيمة حتى نستفيق من أمجاد الهزائم وأفراح الانكسارات، ونطلع في أصبعي الانتصار برؤوس منحنية متواضعة لواقع لا تغيّر موازينه مظاهر الرقص فوق خراب.
حزيران خليل حاوي ممزّق الهوية ومملّع الشعارات، ومجدوع الأنف في مرآة الاحتلال. إنه كيس تاريخ كبير احتشرت فيه كلّ التيارات والنُخب والأفكار، إنه حقبة كاملة لمشروع النهضة والاستقلال والتحرر والتحرير، إنه فلسطين بمائها وترابها وهوائها، إنه الفدائي الذي دخل القلب، وعندما حضناه حاصرنا بسيفه وسكينه وانهال على الخواصر طعناً، فسقط من قمّة التاريخ إلى أسفل درجة من درجات الحياة..
بعد خليل حاوي وأمثاله من الأحياء في ثورة ميتة، سكت القلم العربي عن قول ما يدهشنا عن فلسطين والوحدة والتنمية المشتركة والأمة العربية الرائدة والقائدة.. بعد خليل حاوي وأمثاله من الشهداء الذي اختاروا شهاداتهم على طريقة خليل حاوي انتحاراً أقوى من الهزيمة، تحوّلت الخطب العربية بأشكالها كافة، إلى محرّضات داخلية وخدمة للتوظيفات السياسية، فانطفأت شعل الشوارع العربية إلتي أضاءت لسنين ظلاماً دامساً، وحرّرت مجتمعات من ظلمين أحدهما داخلي والآخر خارجي.
لم نعد نسمع بشاعر او بمثقف من قامة الأوائل من أهل الحرف الثوري، وكأنّ اللغة هي الأخرى قد تمّ دفنها مع المدفونين في توابيت البيوت الحزبية. هبوط قسري او طوعي، لا فرق ما دامت النتيجة واحدة، فراغ يملؤه باعة لغة مغشوشة، ونواطير تسرق مساءات النهارات.
عندما طالعنا خليل حاوي في حزيرانه المأسوف على شبابه الثوري، كانت بيروت نظيفة من الاحتلال الإسرائيلي من مظاهره وأدواته المباشرة، ولكنها بأهداف إسرائيلية أقوى بكثير من الدبابة التي اجتاحت لبنان عام 1982 وتمّ دحرها كآلة. تماماً كما حصل مع العرب ليلة عودة الاستعمار إلى دياره، وبقائه في الدولة الوطنية التي استفاقت دغشة على سيادة مربوطة بحبل الاستعمار المتين.
العودة إلى خليل حاوي عودة إلى ذاكرة، إلى تاريخ، إلى نصّ سوي ثمة استساغة مغرية لنبش مافيه من درّ ثمين، علّنا نستقرأ الماضي اكتنازاً لتجربة مستمرة ولكن بأقنعة مختلفة، لأنه لا جديد في شبكات الوعي إن في السلطة، أو داخل المعارضة العربية.
  

آخر تحديث: 5 يوليو، 2013 12:31 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>