حسن الزين: الفكر السياسي الديموقراطي له جذور في حضارة العرب والمسلمين

الباحث الدكتور حسن الزين في كتابه الجديد “الإمام علي بن أبي طالب وحقوق الإنسان/ أضواء على الفقه السياسي عند الإمام علي بن أبي طالب” (الصادر حديثاً عن دار الفكر الحديث – بيروت)، يعالج موضوعاً هامّاً يتصل بالنظام الإسلامي السياسي، كما ظهر من خلال الفقه السياسي عند الإمام علي بن أبي طالب، كما يتصل بعلاقة ذلك الفكر بجميع معطيات الفكر السياسي الحديث، لا سيما النظام الديموقراطي منها. وأهمية هذا الكتاب، تبرز في أنه يقدم التاريخ بموضوعية لافتة، وتحقيق يتصل بعمق التاريخ والفكر الإسلاميّين، ليقدّم الصورة الواضحة المدعّمة بالمراجع البالغة في القِدم إلى جانب المراجع البالغة في الحداثة. وهنا حوارٌ مع المؤلِّف حول هذا الكتاب:
• ما هو هدفك الأول والأساسي من وراء هذه الدراسة المتمحورة حول معطيات قضيّة إنسانيّة عامّة شاملة في جوهريتها الكونيّة؟
إن الهدف هو كشف الستار عن الفقه السياسي للإمام علي بن أبي طالب وأبرز ما في هذا الفقه هو التشابه مع فقه سياسي جديد، برز بعد حوالى ألف عام عبر ما سمي الأنظمة الديمقراطية الحديثة، واعتبر فتحاً جديداً في عالم الحضارة الإنسانية الشاملة، لا سيما في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان. هذه الحقوق التي اعتبرت فتحاً جديداً في تاريخ الإنسانية جمعاء، وهي في الواقع لم تكن كذلك كما يفهم من خلال الفقه السياسي الذين ظهر في كل قول الإمام علي بن أبي طالب وعمله وأحكامه وتصرفاته.
إن الهدف إذن هو إبراز التفاعل الحضاري الإنساني عبر التشابه الكبير بين مفهوم حقوق الإنسان لدى الإمام علي بن أبي طالب والمفهوم الحديث لهذه الحقوق الذي يظهر من خلال الدساتير الديمقراطية العريقة.
• كيف تقدّم مضمون هذه الدراسة باختصار إلى القارئ؟
إن هذه الدراسة تستند إلى كل ما رواه المؤرخون العرب والمستشرقون الأجانب من توضيح لما ظهر في الفقه السياسي للإمام(ع).

فقهٌ نظري وعملانيّ
• شواهد هذه الدراسة، تؤكد – جملة وتفصيلاً – أن الفقه السياسيّ عند الإمام علي بن أبي طالب(ع)، ليس فقهاً نظرياً أبداً، فما هو إلاّ فقهٌ عملانيّ فقد طبقّه الإمام(ع) – سواء وهو في الحكم أو في خارجه – بحرفيّته الملزمة إذ هو مستمدٌّ بأكمله من القرآن الكريم والسّنّة النبويّة الشريفة، بهدف تحقيق المقصد الأول للشريعة الإسلامية ألا وهو “العدل”، ألهذا يمكن لنا أن نصف هذا الفقه بأنه الفقه العادل في جميع معطياته ومراميه وأبعاده؟
إن الفقه السياسي عند الإمام علي بن أبي طالب(ع) ينطلق من التفسير الصحيح لمبادئ القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وهذا ما يؤكده المؤرخون المسلمون والعرب في جميع حقبات التاريخ وهو ما يتراءى عبر إجماع شديد التعبير من قبل المؤرخين كافة من سنّة وشيعة.
هذا الفقه هو فقه نظري وعملاني ويمكن مراجعة ما ورد على لسان الإمام من كلام ورد في نهج البلاغة وغيره في هذا الكتاب للتأكد من، أنه فقه نظري يتأكد أحياناً في تطبيقه (العملاني) إن صح التعبير. وإذا كان كل الفقه الإسلامي بوجه عام مستمد من تفسير القرآن الكريم والسنة الشريفة فإن في فقه الإمام ما يعبر عن التفسير الأمثل والأكثر صحة لما ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة.
• تعلن في الصفحة (81) أن الفقه السياسي للإمام علي(ع)، هو النظام الإسلامي بأحكامه الشرعية التي تتجاوز، في كثير من الأحيان، أبرز ما توصلت إليه النُّظُم السياسية الحديثة في مجالي العدالة والمساواة! لذا فإنك تطرح السؤال التالي: أين المسلمون اليوم من هذه المعطيات وهذه الرؤية؟ وبالرغم من ذلك فإنك تشير، بوضوح، وفي أكثر من موضع من هذه الدراسة، بأنك متفائلٌ بأن الأجيال المقبلة سوف تدرك حتماً القيمة الحقيقية لمعطيات هذا الفقه العميق، فإلام مردُّ هذا التفاؤل لديك، إذن؟
إن هذا السؤال يطرح مسألة صحة الأحكام الشرعية والفقهية، التي ظهرت على لسان الإمام علي بن طالب، أو تجلت في ما طبق من أحكام فقهية. وجميع هذه الأمور متفق عليها بين السنة والشيعة استناداً إلى الحديث الشريف: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). أما في إشارتي إلى أنه قد يأتي في الأجيال القادمة من سوف يدرك القيمة الحقيقية لمعطيات فقه الإمام(ع)، فإنه لا علاقة للتفاؤل ولغير التفاؤل في ذلك، لأنها مجرد تمنٍّ لاستكمال دراسة أعماق الفقه السياسي للإمام.
أما ما يحمله فقه الإمام السياسي في مجال حقوق الإنسان وحرياته من اختلاف. فإننا نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر، ان حق الملكية المقدس في ظل النظام الديمقراطي يتعرض للانتقاص حتى الألغاء أحياناً. في حالات الحروب والثورات بينما يبقى تطبيقه مستمراً عند الإمام في اتجاه فقهه. وعلى سبيل المثال نذكر بما فعل بعد انتصاره في موقعة الجمل عندما أمر بإعادة جميع مخلفات أعدائه من مال وعتاد إليهم باستثناء أدوات القتال. ونذكر أيضاً أنه رفض التصدي لبعض من كانوا يهربون من جيشه ليلتحقوا بجيش معاوية. أليس في ذلك ما يؤكد على حرية الانتقال، التي تعتبر من أبرز حقوق الإنسان في الأنظمة الحديثة، رغم أنها تتعرض للتضييق حتى الإلغاء خلال الحروب والثورات في ظل الأنظمة الديمقراطية الحديثة إخلافاً لما طبق(ع) من أحكام. أما السؤال الذي طرح حول (أين المسلمون من هذه المعطيات وهذه الرؤية؟) ففيه إشارة إلى تضارب الفتاوى في هذه المجالات كلها من قبل من لا طاقة لهم باحتواء هذا الفقه وغيره، من مستلزمات يجب الاطلاع عليها، رغم ما أورد البعض من دراسات دقيقة وقيمة في بعض المجالات، التي لم تطرح مواضيعها قبل نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. وهي تحتاج إلى جهود خيرة كبيرة وكثيرة.

الحلول الكاملة
• تؤكد هذه الدراسة، بالمطلق، أن الفقه السياسي عند الإمام علي بن أبي طالب، هو الذي يحمل الحلول الكاملة، أو التفسير الصحيح لتطبيق أحكام الشريعة الإلهية كافة، بالنسبة لحقوق الإنسان كافة. أي أن هذا الفقه، هو عبارة عن حقوق إنسانية صرفة أو محضة، ألهذا جاء بعض مضمون هذا الكتاب بمثابة مرافعة نقدية ضدّ آراء وردت لبعض المؤرخين الذين التبس عليهم فهم بعض مقاصد هذا الفقه، فحاولوا النَّيل من شرعيته عن قصد أو من دون قصد؟
أولاً أريد أن أؤكد أنه لم يحاول أحد النيل من شرعية فقه الإمام علي بن أبي طالب، لا عن قصد ولا من دون قصد، إنما كانت هناك محاولات قليلة وعابرة للنيل من مقدرته السياسية ولم يلتبس أيضاً على أحد فهم مقاصد الفقه السياسي عند الإمام. أما فيما يتصل بكون فقه الإمام السياسي يحمل الحلول الكاملة أو التفسير الصحيح لمفهوم حقوق الإنسان، فإن في كتابنا ما يشير إلى ذلك وأن تلك الحقوق، كما عرفتها شرعة حقوق الإنسان الصادرة بعد أكثر من ألف عام من صدور كلام الإمام(ع)، قد جاءت مطابقة إلى حد كبير جداً لما حملته تلك الشرعة وزادت عليها ما ربما تكتشف صحته من قبل مفكرين ينشبون إلى الأجيال المقبلة كما أشرنا، وهذا كل ما نقصده من العبارة التي تمسكتم بها وأعطتيموها من الدلالات أكثر مما تستحق.
• إحدى نقاط خلاصة هذه الدراسة تقول صراحةً، إنه قد تمّ في هذا الكتاب تقصّي مواقف الإمام علي بن أبي طالب من حقوق الإنسان كما قدَّرها وأوضح أصولها(ع)، بشكل يُشابه ما ظهر منها في الفكر السياسي الغربي، ويؤكد على أنّ الفكر الإسلامي قد ساهم في تكوين النهضة الحديثة أو إثراء هذه النهضة، حبّذا لو تشرح مضمون هذه النقطة بتفصيلٍ أكثر قليلاً إلى القارئ؟
وهنا أريد أن أوضح أنه، طالما أن الفكر السياسي والفقهي، إن صح التعبير، الخاص بالإمام قد أوضح أن للإنسان، كل إنسان (حقوق قدرها وأوضح أصولها) كما جاء في سؤالكم وأن هذه الحقوق قد وردت مفصلة، وغير مختلفة عما ورد منها في ما سمي شرعة حقوق الإنسان، فإن في كل ذلك ما يعني، ان التفاعل الحضاري قد ساهم في تكوين الفكر السياسي الحديث تماماً كما كان بالنسبة لعلوم الطب والفلسفة وغيرها، التي ساهمت الحضارة العربية من خلالها في التأثير الكبير على الكثير الكثير مما حققته الحضارة الغربية في هذه المجالات، أي أن الفكر السياسي العربي الإسلامي قد قدم مساهمته الكبرى في هذا السياق، وأن كلام علي بن أبي طالب(ع) يعبر عن كل ذلك في عروبته وإسلاميته!

تطبيقٌ مختلف
• يظهر من معطيات هذا الكتاب أنك، وبالمقارنة مع الدساتير والقوانين الحديثة التي – وكما تؤكد هذه الدراسة – ما زال يعتورها نقصٌ فادح في مجال حقوق الإنسان، في مقابل نظريات الفقه السياسي عند الإمام علي هذه النظريات التي سبقتها بأكثر من ألف عام، يظهر أنك تشير ضمناً، في هذا المجال بأن الإسلام المنبجس من منابعه الحقيقية/الأصلية هو الحل الأمثل؟
في هذا السؤال الذي نسب فيه لهذا الكتاب كلام بعيد عن مقاصده وهو (أن القوانين الحديثة ما زال يعتورها نقص فادح في مجال حقوق الإنسان). لأن كل ما أشرنا يتمثل في اختلاف وجهات النظر لجهة الأنظمة الديمقراطية التي تنحو إلى عدم تطبيق نظرية حقوق الإنسان أثناء الحروب والثورات! إلى درجة تكاد تصل إلى الإلغاء. بينما يستمر التطبيق في نظر الإمام علي(ع) وهذا ما تؤكده وقائع حرب الجمل من جهة ورفض التصدي (للمتسللين من جيشه ليلتحقوا بجيش معاوية بن أبي سفيان طمعاً بالمال). حيث قال لواليه بهدف معناه (لا أريد أن ألزم أحداً بالبقاء حيث لا يشاء). وفي كل هذا الكلام تلخيص أو تعريف بما سمي (حرية الانتقال) التي تؤلف أحد أبرز أركان الفكر الديمقراطي الحديث. إن كل ما ظهر من كلامي يتصل بكون ما سمي شرعة حقوق الإنسان، واعتبر فتحاً جديداً في مجال أو عالم الفكر السياسي الديمقراطي الحديث، لم يكن كذلك لأن له جذوراً في حضارة العرب والمسلمين وأن التفاعل الحضاري قد ساهم كثيراً وكثيراً جداً في هذا السياق، تماماً كما ساهم في مجالي الفلسفة والطب إن صح التعبير أو كما سبق القول.
وهنا أرجو ألا يحمل الكتاب عبء أفكار لم يكن يصبوا إلى تحليلها ولم يرد ذكرها فيه.

آخر تحديث: 24 يوليو، 2013 2:06 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>