المستقبل: ماذا فعل حزب الله في معركة صيدا؟

انتهت المعركة في عبرا مع الشيخ أحمد الأسير، لكن سيل الأسئلة الكبيرة لم ينتهِ وفي مقدّمها ما يتعلق بمصير إمام "مسجد بلال بن رباح" الذي اختفى من دون أثر مع عدد من الذين كانوا إلى جانبه وفي مقدّمهم فضل شاكر، وما هو مصير "الشقق" والمظاهر المسلحة الخارجة عن الشرعية وأطرها؟ وما هو دور "حزب الله" في ما جرى وماذا كان يفعل عناصره في عبرا وماذا كان دورهم في المعركة، خصوصاً وانّ عدداً من قتلاه وجرحاه نُقل إلى أحد مستشفيات صيدا، ولماذا احتل هؤلاء عدداً من الشقق السكنية في عبرا ورفضوا اخلاءها برغم عودة أصحابها إليها بعد انتهاء الاشتباكات!

على أي حال، فإنّ الجيش اللبناني الذي قدّم عدداً من الشهداء والجرحى، تمكن بعد يومين من المعارك الضارية من الدخول إلى المنطقة التي كان يتمركز ويسكن فيها الأسير مع أنصاره لينكشف المشهد عن دمار هائل أصاب المنطقة وعن خسائر بشرية كبيرة.

وكشفت أوساط صيداوية مطلعة أن مشاركة حزب الله واضحة في المعركة منذ يومها الأول، حيث ان العشرات من عناصر الحزب انتشروا على طول التلال المشرفة على عبرا من جهة مجدليون، واتخذ بعضهم مواقع لهم على تلة ارسال خلوي قريبة من دارة آل الحريري في مجدليون وعلى سطح فيلا يملكها المهندس يوسف النقيب (عضو المكتب السياسي لتيار المستقبل) في المكان نفسه ما استدعى طلب النائب بهية الحريري استحداث نقطة للجيش عند مدخل القصر..

ورافق ذلك انتشار أيضاً على مقربة من المربع الأمني لمسجد بلال بن رباح وتحديداً في محيطة "ثانوية السيدة للراهبات المخلصيات" في عبرا وفي بعض الشقق العائدة للحزب مقابل المربع الأمني.. كما أفاد شهود عيان انهم شاهدوا عناصر من الحزب تتجول مساء ونهاراً في أحياء عبرا الداخلية وتشارك في الاشتباكات إلى جانب الجيش، حيث تولت هذه العناصر مطاردة مناصري الأسير في الأحياء الداخلية لعبرا..

ولاحقاً ثبتت مشاركة "حزب الله" في القتال في عبرا فعلاً مع نقل أربعة قتلى للحزب إلى مستشفى الراعي في صيدا عرف منهم نزار بيروتي من جبشيت، أبو علي عساف من كفرحتى ومحمد فواز من حارة صيدا ونحو 15 جريحاً تبين انهم شاركوا في اشتباكات عبرا في يومها الأول وتم ادخالهم المستشفى بأرقام بدلاً من الأسماء وفق ما أفادت مصادر خاصة.

وفوجئ عدد من المواطنين الصيداويين الذين عادوا إلى تفقد بيوتهم وشققهم باحتلال مسلحين من الحزب لهذه الشقق رافضين اخلاءها.
كما شوهد عناصر من الحزب بعد انتشار الجيش في عبرا مساء الاثنين وهم يستقلون سيارات ATV وقد ثبتت عليها أسلحة رشاشة.
وكانت مواقع التواصل الاجتماعي تناقلت أنباء عن تجمعات لعناصر "حزب الله" في تلال مجدليون، ونصبهم مرابض مدفعية، تولت مساندة عناصر الجيش اللبناني بتأمين الغطاء المدفعي لهم في هجومهم على مجمع الأسير في عبرا.

الحريري
وأكد الرئيس سعد الحريري في مداخلة عبر برنامج "انترفيوز" على شاشة تلفزيون "المستقبل" ان "هناك البعض ممَن يحاول استغلال المواقف أو النعرات الطائفية، ولكن اؤكد لكم اننا في تيار المستقبل وأنا كسعد الحريري سنبقى نقف مع الجيش، مهما قالوا ومهما حاولوا، نحن سنبقى مع الجيش وسيبقى مشروعنا الدولة، كما كان هذا المشروع مشروع رفيق الحريري. هذه الطريق لا يحاولنّ أحد ازاحتنا عنها، ونحن سنبقى حازمين في هذا الاتجاه".

وشدد على ان "المشكلة الأساسية هي مشكلة السلاح الذي لولاه لما كنا وصلنا إلى هنا"، مشيراً إلى ان "الاستفزازات التي يقوم بها حزب الله (…) تخرج المرء من جلده، لكن هذا لا يعني أن لا نسير في مشروع الدولة". وقال "ان لا أحد أكبر من لبنان ومن يفكر نفسه اليوم أكبر من البلد سيأتيه يوم يستنجد بالبلد وأهل البلد وبالدولة". ورفض قطع الطرقات في طرابلس أو البقاع أو بيروت.

وأشار إلى "ان الجيش دفع ثمناً كبيراً وآن الأوان للتمديد لقائد الجيش، وهناك قانون في مجلس النواب بهذا الشأن لذلك علينا إقراره، كفى نمتدح الجيش ولا نعطيه شيئاً في المقابل، يجب أن ننتهي من هذه المسألة لأن الفراغ في قيادة الجيش أمر لا يجوز".

النائب السيدة بهية الحريري التي حوصرت بدورها في منزلها في مجدليون بفعل الاشتباكات وانتشار المسلحين على التلال المحيطة به، وجهت نداء إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وإلى قائد الجيش العماد جان قهوجي وإلى جميع المعنيين "بأن ينقذوا صيدا من قبضة المسلحين وينقذوا أهل المدينة من كارثة انسانية كبيرة". وقالت: لماذا صيدا متروكة!؟؟
وأكدت "نحن نريد الجيش ونريد الدولة ونريد أن يخرج كل المسلحين من المدينة والمطلوب تحرك سريع (…) نصرخ ونرفع الصوت، لكن الآن كل الناس ستتحمل مسؤولية الكارثة الانسانية التي تعيشها صيدا".

الفخ..
وبدوره، اعتبر رئيس كتلة "المستقبل" النيابية الرئيس فؤاد السنيورة ان ما تشهده مدينة صيدا حضّره الفريق التابع لـ"حزب الله" والنظام السوري "ووقع الشيخ في الفخ الذي نُصب له وإلى أن يقف ضدّ الجيش اللبناني نتيجة التصرفات غير الواقعية والخرقاء التي اعتمدها".

وأكد "ان البعض يحاول أن يدفعنا الى الوقوع في الفخ الذي رصده حزب الله والنظام السوري لأن القضية الآن بدل ان تكون مواجهة بين القوى الوطنية والاستقلالية والسيادية في لبنان وبين "حزب الله" وسلاحه الذي تحوّلت وجهته إلى الداخل اللبناني أصبحت بين فريق من اللبنانيين وبين الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية".

وناشد "جميع اللبنانيين ألا يقعوا في الفخ الذي نصبه حزب الله والنظام السوري، ويجب أن تكون الأمور واضحة بالنسبة إلى المسلمين أيضاً حتى لا يقعوا في هذا الفخ المنصوب".

وكان السنيورة عرض مبادرة للحل في صيدا تقوم على "وقف اطلاق النار فوراً ورفض منطق السلاح في مقابل السلاح وضرورة إخلاء الشقق المسلحة ومغادرة مسلحي حزب الله ومَن يسمّون سرايا المقاومة الذين هم في الأصل سبب الفتنة والبلاء (…) وتطبيق خطة أمنية تسحب المظاهر المسلحة من كل الأطراف بالتعاون مع الجيش والسلطات الادارية للدولة".

رؤساء الحكومة..
ورفض لقاء رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي ورؤساء الحكومة السابقين الذي جرى في السرايا، "المحاولات المتكررة والفاشلة لوضع الجيش في مواجهة المسلمين السنّة وتصويرهم بأنّهم جماعة متطرفة رافضة للدولة فيما هم أهلها"(…) واعلنوا "بصراحة كاملة اننا نتضامن مع أهلنا في كل المناطق الذين يشعرون ان القانون يطبّق على فريق من اللبنانيين دون سواهم، انما ومن موقفنا المسؤول والوطني نناشدهم ونقول لهم اننا نعاهدهم على الدفع باتجاه ان يتم تطبيق القانون على جميع اللبنانيين بالتساوي، فمؤسسات الدولة مسؤولة عن الجميع وأمام الجميع من دون تمييز أو انتقائية، وفي هذا المجال يطلب من الجيش والقوى الأمنية القيام بمهماتها الأمنية بشكل شامل وكامل وعادل".

لا تراجع..
وكان الاجتماع الوزاري الأمني الذي انعقد في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، حمل رسالة واضحة مفادها كما علمت "المستقبل" من مصادر المجتمعين "ان الجيش اللبناني اتخذ قراره بإنهاء الحالة الشاذة التي خلقها الشيخ أحمد الأسير في صيدا، وان الغطاء السياسي لذلك بات واضحاً ومن دون مواربة، لأن التساهل يعني وضع البلاد في أتون حرب أهلية لن يسلم منها أحد". ولفتت "الى ان الاجتماع الذي دام أكثر من ساعة ونصف، تخلله مداخلة لقائد الجيش العماد جان قهوجي شرح فيها كيفية هجوم عناصر الأسير على ملالة الجيش اللبناني بعد مشادة مع أحد مرافقي الأسير، وكيفية تصدي عناصر الجيش الذين تفاجأوا بالهجوم بالاضافة الى التطورات التي حصلت منذ بدء الاعتداء، مركزاً على ضرورة إكمال الجيش ما بدأه، وان قراره هو إكمال المعركة من دون أي تراجع، طالباً إعطاء الجيش الغطاء السياسي اللازم للقيام بمهمته بالإضافة الى ما يحتاجه الجيش من سلاح ودعم سياسي ومؤازرة للقوى الأمنية".

وكان العماد قهوجي أكد في أمر "اليوم" الى العسكريين ان الجيش وحدة متماسكة وانه لم يتعرض لطائفة ولا لدُور عبادة ولا لأي رجل دين وهو ليس مع فريق ضد آخر ولا مع طائفة دون أخرى. بل هو ردّ على مجموعة مسلحة اعتدت عليه".

وسجّلت في موازاة ما كان يحصل في صيدا، تحركات في عدد من المناطق تخللها قطع طرقات وانتشار مسلحين ملثّمين في أكثر من منطقة، فيما شهدت طرابلس توتراً كبيراً لليوم الثاني على التوالي في ظل شلل تام عمّ مؤسساتها ومحالها التجارية ومدارسها، ترافق مع دوي لأصوات القنابل المتنقلة واطلاق للأعيرة النارية في كل الأحياء وقطع للطرق تضامناً مع الشيخ الأسير. وبدا واضحاً انسحاب الجيش اللبناني من المدينة ومن أمام جميع مراكز امتحانات الشهادة المتوسطة التي جرت في ظل أجواء متوترة جداً، بعد أن كان اتخذ نقاطاً ثابتة له مع انطلاق الامتحانات يوم السبت الماضي.

وحاولت القيادات في المدينة، بالتعاون مع رجال الدين، تهدئة الأوضاع، إلا أن حجم الغضب ا لذي ساد مئات من الشبان حال دون انجاز هذه المهمة. وقام مسلحون بعد ظهر أمس بإطلاق النار على نقطة رئيسية للجيش في شارع سوريا باب التبانة "السنترال"، فرد عناصر الجيش على مصادر النار. وأفاد سكان المنطقة عن اصابة شخصين بجروح واحتراق محل للأحذية، مجاور للسنترال.

وفي حين أبقى الجيش على نقاط انتشاره في باب التبانة وجبل محسن، خشية انفلات الأوضاع أكثر، نفذت مجموعة من الشبان اعتصاماً بعد الظهر، أمام منزل رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، للمطالبة برفع الظلم عن أبناء الطائفة، وفق ما أفاد الشيخ محمد ابراهيم. وكان لافتاً حراك الشبان الغاضبين الذين قطعوا مراراً مستديرة ساحة النور عند مدخل المدينة، وأطلقوا الأعيرة النارية في الهواء.

ردود الفعل
وأعرب مجلس الوزراء السعودي بعد اجتماعه في جدّه برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز عن "بالغ القلق ازاء تطورات الأوضاع في جنوب لبنان وما تشهده مدينة صيدا من أحداث، داعياً الجميع الى وقف الاشتباكات وعدم تصعيد الموقف حفاظاً على أمن واستقرار لبنان الشقيق".

كما أعربت الخارجية الفرنسية عن "القلق الكبير لأعمال العنف الدامية المستمرة في جنوب لبنان" ودانت "بشدة الهجمات التي تشن ضد قوات الجيش اللبناني" وأكدت دعمها "الجهود التي تبذل تحت سلطة الرئيس سليمان لضمان الأمن ووضع حد للاستفزازات من حيثما أتت"، ودعت "الأحزاب السياسية اللبنانية الى العمل من أجل السلم الأهلي والاستقرار في لبنان".

وأكدت الممثلة العليا لخارجية الاتحاد الأوروبي كاترين آشتون "التزام الاتحاد الأوروبي بأمن لبنان واستقراره ودعمه لرئيس الجمهورية ميشال سليمان ولكافة المؤسسات الدستورية للدولة بما في ذلك الجيش وقوى الأمن"، داعية جميع الأطراف في لبنان "الى التحلي بضبط النفس وعدم جر البلاد الى صراعات مذهبية".

"14 آذار"
الى ذلك، لم تلجأ قوى الرابع عشر من آذار الى تأجيل اجتماعها في زحلة برغم حوادث صيدا، اذ أكدت في نداء لها من "مجمّع التلال" بعد اجتماع ضمّ أمانتها العامة و120 شخصية سياسية ونقابية وفاعليات بقاعية، تحت عنوان "العيش الواحد في البقاع مسؤولية وطنية مشتركة" على ضرورة العمل لوأد الفتنة في صيدا، وأعلنت دعمها المطلق للجيش "في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء وعلى إلغاء كل المظاهر المسلحة وتسليم جميع المطلوبين الى السلطات القضائية المختصة".
ورأت ان الحوادث الأمنية الأخيرة في البقاع أخذت طابعاً مذهبياً خطيراً استدعى التحرك للجمه باكراً.

وأكدت "ان مسؤولية الدفاع عن سيادة لبنان وعن العيش المشترك الاسلامي المسيحي والاسلامي الاسلامي مسؤولية وطنية عامة وليست اختصاصاً لطائفة أو تيار سياسي أو منطقة بعينها وكلنا معنيون ولا يحق لأحد التنصل من المسؤولية أو التفرّج على ما يجري".

وأعلن منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد عن تشكيل هيئة متابعة منبثقة عن اللقاء للتنسيق مع الأمانة العامة والجهات المعنية والمسؤولة وعلى رأسها الدولة "من أجل انشاء شبكة أمان تتصل بكل مستويات الأزمة القائمة، سياسياً واجتماعياً وتنموياً وأمنياً، بما فيها النزوح السوري بكل تداعياته".

وعلمت "المستقبل" ان اجتماعاً سيجري التحضير له بالتنسيق مع النائب بهية الحريري في صيدا لقوى 14 آذار لإعلان التضامن مع المدينة ورفض الفتنة.
  

آخر تحديث: 25 يونيو، 2013 8:34 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>