لمعارضة السوريّة لا تستسلم ولا تنتصر


إكتمل العام الثاني على المأزق السوري. النتيجة: صفر للجميع. واكتشف المعارضون أنهم صدّقوا الوعود واستسهلوا المعركة. وأما النظام فسيكتشف أن العودة إلى «سوريا السابقة»، «سورياه» باتت مستحيلة.

صمدت المعارضة السورية. وعلى رغم وصول عدد الضحايا إلى نحو 65 ألفاً، فإنها بقيت تعتقد أن انتصاراً بهذا الحجم يستحق دفع الأثمان. فتغيير نظام يُمسك سوريا منذ أربعة عقود، بقبضة من حديد، لا يكون مجانياً.

وفي أوساط المعارضة السورية نقاشات حول الكلفة المناسبة لتحقيق التغيير. وثمّة من يقول إن بلوغ هذا الهدف يستحقُّ الـ100 ألف قتيل، أو حتى 200 ألف، ما عدا العدد المضاعف من المصابين، والدمار بعشرات المليارات من الدولارات.

قاتلت المعارضة "باللحم الحيّ". ثم بدأت تتلقّى الأسلحة والذخائر إما بالتهريب، وإما بالغنائم التي تحصل عليها عند سقوط المراكز والثكنات التابعة للنظام، وانضمام المنشقين إليها. وهناك مصانع محلية شبه بدائية للسلاح الخفيف والمتوسط وذخائره. لكن أياً من القوى الداعمة للمعارضة لم تزوِّدها جدِّياً بالسلاح الثقيل، ما يتيح لها تحقيق التوازن.

ويشكو المعنيون بالمعارضة من أن الأتراك لم يقدموا لـ"الجيش الحرّ" إلّا بعض السلاح القديم. وعندما وصلت إلى المعارضة، عبر تركيا، بضعة صواريخ "ستينغر" من بقايا الحرب في ليبيا، تولّى الأميركيون الإشراف على حركتها كي لا تقع في أيدي منظمات "غير مضبوطة".

وفي موازاة الرفض الحادّ للتدخّل العسكري الحاسم، لم ترغب واشنطن والإتحاد الأوروبي في تزويد المعارضة بالسلاح. ولم يدعم الأميركيون إقامة منطقة آمنة. وكانت إدانتهم للنظام شكلية، وتذرّعوا بالموقف الروسي لتبرير عدم اتخاذ أيّ قرار مُهِمّ في مجلس الأمن الدولي.

عملياً، ترك الأميركيون سوريا والمعارضة السورية لمصيرهما. وقد مضى العامان الأخيران من ولاية الرئيس باراك أوباما تحت عنوان: عدم تكرار الأخطاء التي ارتكبها الرئيس جورج بوش في العراق. وارتأت المعارضة السورية أن تصبر إلى أن يأتي العهد الجديد في واشنطن. ومع التجديد لأوباما، إنتظرت المعارضة ما سيأتي به الطاقم الجديد في الخارجية الأميركية.

لكن جون كيري أكثر وضوحاً من هيلاري كلينتون. هو اجتمع مع الرئيس بشّار الأسد مراراً خلال الأزمة، ولديه إقتناع ثابت: لا حلَّ للنزاع إلاّ ديبلوماسياً وبالحوار. ومن الضروري إنتقال السلطة في سوريا، ولكن سلمياً. وهذا الموقف يعني أن تغيير الأسد سيتم تحت رعاية الأسد نفسه، وبناء على روزنامته. وقد سبق للرئيس السوري أن قدّم الروزنامة في الربيع الفائت، ليجري تنفيذها على مدى سنوات. وهي لا توصِل إلى التغيير المنشود بالتأكيد.

ويهتمُّ الأميركيون والأوروبيون والإسرائيليون بما يجري في سوريا، بمسألة أساسية: حذارِ تسرُّب الأسلحة الكيميائية إلى جهات إرهابية أو جهادية. والغارة الإسرائيلية الأخيرة تبقى حيثياتها غامضة. فهل استهدفت مخازن كانت تُنقَل أو في صدد النقل إلى جهات حليفة في لبنان، أم كانت ستقع في أيدي المعارضة؟ أم كانت في طريقها إلى جهة في سوريا أو لبنان؟ أم حالات عدة في آن واحد، بحيث كانت ضربة لـ"عصافير عدة في آن واحد"؟
هذا هو الزلزال؟

أياً تكن الحال، فالمعارضة تبدو عزلاء، فيما هي تنزف. وإذا كانت اليوم تسيطر على مناطق لم تكن في يدها قبل عامين، وهي تحظى بدعم خارجي، فهي واقعياً أضعف مما كانت عليه قبل أشهر. إنها بلغت ذروة قوتها، ولكنها توقفت عند سقف يصعب اختراقه. فالدفعة المطلوبة لخرق السقف لن يقدِّمها أي حليف عربي أو دولي.

ومن سخرية الأقدار أن يقدِّم ألدُّ أعداء النظام خدمة لبقائه. فالصعود الإسلامي في داخل المعارضة السورية أعاد تسليط الضوء على النظرية القائلة إن "الربيع العربي" ليس سوى "خريف إسلامي". فقد تلقّى الأسد إيجابيات بروز "جبهة النصرة" الرديفة لـ"القاعدة"، والهيمنة السلفية الخانقة للحداثة في مصر، والنمو المثير للتيارات الإسلامية في لبنان، وإستهداف اليساريين في تونس… علماً أن تركيا كانت تلقّت أيضاً رسالة كردية معبِّرة.

واليوم يصرخ الملك الأردني عبد الله خوفاً من إجتياح "الإخوان المسلمين" لعرشه إذا انتصروا على العرش في سوريا. ومعروفة الحرب الشرسة بين "الإخوان" والإمارات والكويت. وأما السعودية فهي لا تغامر باهتزازات في "الأنظمة الشقيقة".

لذلك، وحتى بروز معطيات مخالفة، لا قدرة إطلاقاً للمعارضة السورية على الإنتصار. ولكن النظام لن يطفئ الشرارة التي اندلعت قبل عامين. فليس الأمر شبيهاً بحرب حماه في العام 1983. وقد يتوصل الطرفان إلى حوارات وهدنات، لكن الحرب طويلة. فلا المعارضة تقبل بالإستسلام، ولا النظام، ولا أيّ منهما قادر على الإنتصار.

إنها الإستحالة المولِّدة للحرب الأهلية، أو الفتنة المذهبية التي لا حدود زمنياً ولا مكانياً لتفاعلاتها… فهل هذا هو الزلزال الذي لوَّح الرئيس الأسد بحصوله؟

آخر تحديث: 11 فبراير، 2013 9:48 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>