سوريا ولبنان على حد السكين

بذلت الولايات المتحدة الأميركية جهوداً كبيرة من أجل توحيد المعارضة السورية وبلورة شخصيتها السياسية ومؤسساتها وتنظيم فروعها العسكرية. تولى السفير الأميركي في سوريا روبرت فورد إدارة «مؤتمر الدوحة» وهو يمارس ضغوطاً وإغراءات من بينها الوعود بمزيد من الدعم المالي والتسليحي الأكثر فعالية. نجح المؤتمر بعد أيام من المفاوضات العسيرة بإنشاء هيكلية تحفظت عليها أطراف من «التنسيقيات» لأسباب تتعلق بحجم المشاركة وتوازنات القوى وتوزيع المهام أكثر من الاعتراض على التوجه السياسي.
هناك وظائف عدة للجهد الأميركي المباشر الذي أزاح من الواجهة الدور الخليجي والتركي. في المقدمة الحد من دور الجماعات المتطرفة والفوضوية التي أضرت بصورة «الثورة السورية» وأنشأت مراكز نفوذ خارج السيطرة، والخشية من حيازتها أسلحة متقدمة توظف خارج الإطار السوري، لكن هذا الاعتبار وجدت فيه بعض أطراف المعارضة سابقاً لأوانه قبل إسقاط النظام. وعلى العكس من ذلك، ارتفعت الأصوات مطالبة بالسلاح انسجاماً مع خطة المواجهة العسكرية واستبعاد الحوار والتسوية. يبدو الهمّ الأميركي منصباً على احتواء قوى المعارضة وتوجيهها في السباق المحموم إلى بناء توازن قوى على الأرض نجح تحالف النظام في إظهار ضعفه الميداني. فالمناطق الخارجة عن سلطة النظام بحاجة إلى إدارة فعالة عسكرية ومدنية وتظهير «استقلالها» ووقف الفوضى الضاربة فيها. وإذا كانت المعارضة تتحكّم بمعظم الجزء الشمالي من سوريا، ويحتفظ النظام بقوته العسكرية في غربها وجنوبها، فالمواجهة تحتاج إلى تظهير فعالية المعارضة داخل منطقة نفوذ النظام لا سيما من حول العاصمة دمشق وخطوط اتصالها بالجنوب وبالساحل الغربي والحدود اللبنانية.
خلال سنتين تقريباً من المواجهة لم تنشأ مناطق مقفلة في وجه أي طرف. لا يستطيع النظام حماية أية مدينة ولا تستطيع المعارضة التشبث بأية منطقة وإدارتها كمنطقة محررة. هذا السجال القتالي كلّف سوريا فوضى ومآسي وضياعاً سياسياً لدى فئات واسعة من الشعب.
على كل حال، يوحي التدخل الأميركي المباشر بأن المسألة السورية أعقد بكثير من أن تحتويها تفاهمات مع الروس على عناوين عامة كالتي أقرها لقاء جنيف. لا شيء يضمن مصالح روسيا في نظام مركزي قد ينشأ بأرجحية طائفية وسياسية جديدة محسوبة في خانة نفوذ الغرب ودول الخليج العربي وتركيا. ولا شيء يغري أميركا بالتسوية لوضع متفجر مثالي لأهدافها في استنزاف الأطراف المتورطين ولا سيما إيران. ولا شيء يسمح للمعارضة بعد عامين من العنف الشامل أن تجلس إلى طاولة مفاوضات لتتحمّل عبء الحرب وأثقالها شراكة مع النظام. ونكاد نكون أمام استحالات لمخارج يطلبها حلفاء النظام وهم يفترضون أن الاحتفاظ بالقوة العسكرية الضاربة المتنقلة من منطقة إلى أخرى يعني قوة النظام ونجاح التوازن الإقليمي والدولي في تثبيته.
لم نشهد حرباً كهذه لم تحصل فيها هدنة إنسانية ليوم واحد. لم نشهد حرباً كهذه لم تقدم خلالها مبادرة سياسية واحدة فعلية لها علاقة بإعادة تشكيل النظام والسلطة وفق الحد الأدنى من المطالب الداخلية. فالتسوية الآن أكثر استحالة من أي وقت مع وصول النظام إلى تأكيد هويته وتصرفه غير المسبوق بأشكال العنف ضد شعبه والتدمير المنهجي لمقوّمات الدولة السورية. فإذا كان هناك من تسوية في أفق الحرب السورية، فهي مع مكوّنات اجتماعية يمثلها النظام أو صادر تمثيلها من قبل، وليس معها كمحور للنظام وكقيادة له.
هذا الاحتمال لم ينضج بعد ما دام في جعبة الأطراف المزيد من عناصر القوة، وفي بعض صورها ضخ المزيد من المشكلات، والتهويل بتوسيع المواجهة. فلقد ساهم الجميع بشبك الأزمة السورية مع أطراف الجوار كلها. ويظهر بوضوح أن التداعيات الخارجية ليست تحت السيطرة كما يحاول الأطراف الدوليون. منذ أمسك النظام قرار سوريا وإرادة شعبها وتجيير ذلك إلى نزاع دولي، باتت محاصرته مرهونة بضغوط خارجية من بينها الأوضاع والمداخلات من تركيا ولبنان والأردن. وهو كذلك يبادر في هذه الساحات بالوسائل المتاحة لديه سياسياً وأمنياً. ويكاد لبنان يفقد بسرعة الضوابط الذاتية بعد الأزمة السياسية الأخيرة نتيجة الخلل في التوازن الوطني «الطائفي» الذي نشأ مع حكومة استبقت المتغيّرات السورية. فإذا كانت المرحلة المقبلة تنذر بمواجهات لاختراق جغرافية النظام السوري واستخلاص المزيد من المناطق وطرق التواصل والإمداد التي يسيطر عليها في الجنوب والغرب، فإن لبنان مقدم على اختبار أكبر لما تستطيع القوى اللبنانية أن تقدمه للطرفين. وليس عبثاً ما يمكن وصفه «بمعمودية الدم» التي بدأت من صيدا في أول اشتباك «سني شيعي» يوقع قتلى وجرحى تحت عنوان مذهبي خالص. بل هو اشتباك مدروس في توقيته ومكانه على تماس مع الوجود الفلسطيني الذي يجعل البُعد المذهبي أوسع من أن تحيط به الحساسيات الداخلية اللبنانية فقط. يغتذي هذا التوتر من تراكمات عمرها سنوات ليس فقط من المغالبات السياسية بل ومن غياب الحد الأدنى من حضور الدولة وقانون الدولة وهيبتها وشرعيتها وعدالتها وأمنها، ومع «فلتان الأحزاب» كل الأحزاب والقوى والتيارات في استباحة المجال العام الذي يخص كل اللبنانيين.
لقد اعتدنا، ويجب ألا نعتاد، أن للجماعات السياسية جغرافية خالصة ومناطق نفوذ تمارس فيها حريتها المطلقة على جمهورها أولاً وعلى محيطها ثانياً. فلم نعد نعيش حياة طبيعية مسالمة أمام حال التوتر السياسي اليومي والتجييش والتعبئة والتحريض لمناسبة أو بغير مناسبة.
فهل تكون معركة تغيير التوازن الحالي في سوريا مرتبطة كذلك بإنتاج جغرافية سياسية طائفية في لبنان؟ فمن نسأل عن ذلك؟!

آخر تحديث: 13 نوفمبر، 2012 11:34 ص

مقالات تهمك >>