شباب امل… أوادم حتى إشعار آخر

يلتزم مُناصرو حركة «أمل» اليوم الهدنة المفروضة بأمر من عين التينة. رُغم كلّ محاولات الاستفزاز التي هدفت إلى جرّهم نحو «كباش» داخلي، نجحوا في نفض لقب «الزعران» عنهم. هم اليوم «الأوادم» المنصاعون لتعليمات القيادة في عدم الانجرار إلى أي إشكال أمني مهما بلغت حدّة غضبهم

يُزج اسم شباب حركة «أمل» في أي «عركة» داخلية. يُقال إنهم «زُعران»، وأكثر. بعد عام 2005، ذاعَ صيتهم أكثر من أي وقت مضى. أصحاب الرايات الخضر. الرايات هذه، التي ترتفع فور اندلاع أي حدث أمني في شوارع بيروت. جسمهم لبّيس. واستفزازهم سهل، إلى درجة يُضاهي فيها خروجهم إلى شوارعهم سرعة الضوء. ثقافة الشارع تلاحق «حركتهم». إنهم شباب «أمل». «المحرومون» اليوم من «الانفجار»، يتوارون عن الأنظار كأنهم طوفان خلف السد. يدحض مراهقو الحركة اليوم عن أنفسهم صفة «من يفتح فمه ويُغلق عقله». ويتمرنون على إدارة غضبهم بأمر من القيادة «العليا».
اليوم يختلف عن الأمس بأشواط. يفاجأ الجميع، بـ«هدوء» شباب «أمل» الذين أثبتوا قدرة عارمة على تنفيذ التعليمات، وبراعة بارزة في إظهار نفسهم كـ«أوادم» لحظة الجد. لم يهزّهم أحمد الأسير في صيدا ولا في وسط بيروت. رُغم كل العبارات الخارجة عن حدود الاستيعاب، عرفوا كيف يديرون له أذنهم «الطرشا». مع العلم أن صوته يخرق يومياً جدار حارة صيدا ذات الغالبية «الأملية». كذلك لم يستفزّهم نديم قطيش في رياض الصلح، ولا مشهد التكسير والاقتحام للسرايا الحكومية. ولم تستثرهم أصوات زخات الرصاص التي انطلقت من الطريق الجديدة وقصقص، ووصلت إلى «قلعة صمودهم» في الشياح. التزموا بيوتهم وشوارعهم وأشغالهم، وكأن الأمر لا يعنيهم.

في العودة إلى الوراء، يكفي استرجاع أحداث الجامعة العربية في بيروت، الكفيلة بكتابة «محضر» مبكّل، لأولئك الذين «هزّوا» محيط المدينة الرياضية، آنذاك، بقبعاتهم وعصيهم. أطلّوا كـ«جيش» مؤازر للطّلاب المحاصرين داخل أسوار الطريق الجديدة. أثار مشهدهم رُعباً، يتكرّر، بمجرّد الحديث عن لحظة «تهوّر» يُمكن أن تنطلق من «مخابئهم».

يكفي القول إن «عين التينة» مستهدفة قولاً أو فعلاً، لتتحرك أرضية الشياح وزقاق البلاط وخندق الغميق ومنطقة البسطة، لحرق الأخضر واليابس، إذا لزم الأمر. المُهم أن «لا يغضب أبو مصطفى». إشارة واحدة من إصبعه كافية لسد منافذ بيروت بأكملها والعبث بـ«وسطها» كما في كانون الأول من عام 2006، عندما استوطن مناصرو برّي، مع حلفائهم في المعارضة حينذاك، بخيمهم ساحتي رياض الصلح والدباس. حتى جاء تاريخ 7 أيار. اليوم المشؤوم في نظر أهالي بيروت. كانت «أمل» حاضرة بشبابها دفاعاً عن «مقاومتها» في الصفوف الأمامية. حينها كانت العاصمة تلهث من دخان نارها، وكان شباب «أمل» على خطى الباقين يهرولون نحو إسقاط الحكومة.

حالياً، يبدو هؤلاء كأشباح في أحيائهم. ينتشرون في بقعة أو بقعتين أو ثلاث. ليتخذوا لهم هيئة أخرى. هيئة حماة المنطقة التي ولدوا فيها. ممنوعٌ عليهم تخطّي حدودها. مهما بلغت حدّة الغضب. أقصى ما يمكن فعله، هو «السهر» في الزواريب، والحديث عن نشرات الأخبار وخطب الزعماء والرؤساء. عن تناقضات البلد والنصر الآتي. عن المعارك البطولية. عن الخوف والدمار والحرب.
يؤكّد أحد عشّاق نبيه برّي، المنهمك في حلاقة وتهذيب شاربي أحد زبائنه في محله، «عدم وجود شهية حقيقية تدفعه إلى التهور كما في السابق». الأمر «لا يتعلّق بقرار الرئيس ضبط شارعه»، وحسب. ربّما هو «غياب الرغبة الجماعية عند الشباب في إظهار عضلاتهم». والدليل «أننا لم نتحرك من مواقعنا رغم محاولات الاستفزاز التي مارسها الشارع المقابل في الأحداث الأخيرة». بضحكة صفراء، يستهزئ بأولئك «المتفلّتين من عباءة زعمائهم». الذين «يفشلون محاولين ادعاء الانتصار». يبدون كـ«جثث متحركة بغرائز ملتهبة». «الفرجة» على شباب 14 آذار، وحدها كافية. ورغم «أننا لا ندعي العفّة ولا التهذيب، يروقنا حالياً الاستمتاع بمشاهدة قوى «سيادية» تراقب انهيار ما ناضلت من أجله منذ سنوات».

شابٌّ آخر، لا اسم له ولا كنية. ليس ذلك مهماً. هو أيضاً من شباب «أمل». الشريط الأخضر الذي يلف يده دليل كافٍ على انتمائه. يوضح أن «الأوامر واضحة بالنسبة إلينا. لن نُجرّ إلى الشارع تحت أي ظرف من الظروف»، وخصوصاً أن «البلد لا يحتمل بحسب ما أكّد لنا مسؤولونا». الشباب هنا «ليسوا زعران». هم «ينفعلون أحياناً ويهدأون أحياناً أخرى كغيرهم من الشباب المنضوي في بقية الأحزاب». لا يُلغي ذلك حقيقة «استنفارنا المتواصل». لذا «تخرج التجمعات من تحت الأرض عند أي خضّة أمنية». هذه التجمعات التي «تبدو وحدها كفيلة بطرح سؤال عمّا سيفعله شباب حركة أمل في الشارع». لكن «الأمر متروك لمسؤولي المنطقة الذي يجتمعون بنا يومياً لمنع أي تفلّت».

يشهق أحد نواب كتلة «التنمية والتحرير» ويزفر بقوة، عند بدء الحديث عن جمهور الحركة. وكأنها المرة الأولى التي يُسأل فيها عن «انضباطه». من قال إننا «زعران»؟ يُسقط مقولة الرئيس نبيه برّي الشهيرة التي تُروى كحقيقة مطلقة، رغم أن أحداً لم يتثبت من أنّ بري قد قالها فعلاً: «أنا قادر على إنزال شبابي إلى الشارع ساعة أشاء، لكنني لا أستطيع إخراجهم». بل على العكس. فقد «أثبت شارعنا أنه أكثر انضباطاً من غيره». والدليل هو «كبح جماحه في الرد على محاولات جرّه إلى كباش داخلي». يقول: «نحن حركة تنظيمية تضم في صفوفها كوادر ومسؤولين لديهم جميعاً تعليمات تقضي بقطع الطريق على أي فورة من شأنها أن تدفعنا نحو الهاوية». لذلك، «نحن على تواصل دائم مع الأرض، كوادر ومناصرين، للتخفيف من الاحتقان والسخط الذي بلغ مبلغه في نفوسهم». الخطة ناجحة حتّى الآن. ظهرت معالمها واضحة في صيدا، ضد «فتنة الشيخ أحمد الأسير». وظهرت أيضاً يوم «اقتحام السرايا ضد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي»، والأحداث التي تلت في منطقة قصقص ووصلت إلى مشارف الشياح. ويأتي ذلك، نتيجة «التنسيق المباشر والمتواصل الذي أمر به الرئيس نبيه برّي، من منطلق الحفاظ على الاستقرار في هذه المرحلة الحرجة».

آخر تحديث: 2 نوفمبر، 2012 9:45 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>