في الأخضر.. واليابس

كان ولا يزال جزءاً من ذاكرة الحلّ في لبنان السيّد الأخضر الابراهيمي. وصورته عند لبنانيين كُثر ملاصقة لبلوغ الأزمة أعلى مراتبها عشيّة اتفاق الطائف ومن ثم بدء العدّ العكسي لانتهائها تنفيذاً لذلك الاتفاق.
غير أنّ عودته إلى الضوء مع "الأزمة" السورية عام 2012 لا تعني خلاصات مشابهة لما جرى في لبنان في العام 1990.. الرجل شديد الواقعية والتواضع. وعَرِفَ منذ بدء مهمته كيف يخفّف من جموح التوقّعات. بل بدا من كلامه في بيروت أمس وكأنّه "يرى" أنّ ما جرى في لبنان من ويلات ومصائب ورزايا وكوارث لن يُقارن بما جرى ويجري وسيجري في سوريا.. وجلّ طموحه الراهن أن يتمكّن السوريون من تخفيض عدد موتاهم وضحاياهم في عيد الأضحى. ليس إلاّ.

في اجتماعه الأوّل مع بشّار الاسد غداة تعيينه موفداً عربياً دولياً خلفاً لكوفي عنان، خرج بانطباع يشبه الفجيعة. إذ إنّ رئيس السلطة السورية لا يرى أمامه إلاّ عصابات مسلّحة مطلوب القضاء عليها أوّلاً، ثم يبدأ "الحوار" مع مَن تبقّى، بحثاً عن كيفية تنفيذ الإصلاحات العتيدة! أي أنّ الابراهيمي اصطدم منذ دخوله بحالة تناقضية غريبة: واقع واضح يدلّ إلى حرب فعليّة تلت ثورة شعبيّة تامة. يقابله وهم خالص مقيم في رأس الأسد عن أنّه قادر على إعادة عقارب الزمن إلى ما قبل منتصف آذار عام 2011.. أي منذ البداية، هناك عنصر حاسم ناقص في شروط الوساطة، وهو التشخيص الدقيق لما يحصل. و"اعتراف" كل طرف بوجود طرف آخر معادٍ له. والمشكلة هنا ليست عند المعارضة بل عند الأسد وحاشيته.

واقعية الابراهيمي أبعد مدى من ذلك. يعرف أنّه دخل في ممر الأفيال. ويعرف أنّ سلَفَه عنان اصطدم بمنطق إقليمي دولي أكبر من أي وساطة فآثر الانكفاء والانزواء.. وحسناً فعل. وبالتالي فإنّ جوهر المهمّة التي تنكّبها يتمحور حول الشكل: تأكيد "الحضور" في قاعة الانتظار. أي عنوان كبير وفضفاض لمضمون صغير وهامشي. لأنّ الجميع ينتظر تطوّر الوضع على الأرض في سوريا. واللعبة أقسى وأمرّ من أن تُحتمل. موسكو وبكين تتحصّنان بالفيتو لمنع أي قرار ضدّ سلطة الاسد، وواشنطن تتحصّن بذلك الفيتو للامتناع عن الانخراط الفعلي في عملية إنقاذ سوريا والسوريين من هذه النكبة.. والخبث طافح وضارب في الأعالي.
لذلك ولغيره، ولأنّه رجل محترم وصاحب ضمير حيّ ونقي السيد الابراهيمي، قال بالأمس من بيروت ما لم يقله غيره عن "حرق الأخضر واليابس".. كأنّه يعبّر بديبلوماسية حارقة عن رفضه أن يكون شاهد زور!  

آخر تحديث: 18 أكتوبر، 2012 9:30 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>