جنى فواز الحسن: أكتب الرواية لإيجاد المشترك الإنسانيّ العام

الروائية اللبنانية جنى فواز الحسن لا تبدو "كالقابض على الجمر" في خوضها غمار الكتابة الروائية، بل هي تجترح فعل الكتابة، ليس على أنه اقترابٌ حذِرٌ من الحياة؛ بل هو إقدامٌ تصميِّميُّ جريءٌ جداً لديها على فعل الحياة. الحياة الحقّة، بكل ما تحمله من معاني الحقّ والخير والجمال، جملةً وتفصيلاً. وهذا ما تُنبئُ به روايتها التي يدور حولها هذا الحوار: "أنا، هي والأخريات" الصادرة حديثاً عن الدار العربية للعلوم – بيروت.
• عملكِ الروائي "أنا، هي والأُخريات" يحمل قارئه على الاعتقاد، بأن الكتابة الروائية لديك، هي – وكما تتجلَّى في كلّ إبداعٍ حقيقي – فعلٌ معادلٌ، تماماً، لفعل الحياة فهل اعتقادنا هذا هو صحيحٌ؟
الأدب بشكل عام، والرواية بشكل خاص، محاولة لاكتشاف الحياة،وبحث عميق عن معنى وجدوى لها، أو محاولة لاستعادة الذكريات والعلاقات الإنسانية، والغوص في النفس البشرية، بتناقضاتها. أنا لا أملك إجابة محدّدة عن ماهية فعل الحياة، فهو قد يختلف من كائن إلى آخر. قد يستكين البعض بالحياة كما تأتيهم، ويعيشونها على وئام ورضوخ لأحوالها. بالنسبة إلي، الحياة دائماً حالة طارئة، رحلة باتجاه التغيير والتجدد، مثقلة برغبة العيش، بالأسى، بالحب، بلحظات الفرح، بالألم، بالحنين، بالنجاح، بالفشل، بالوجوه والأماكن. كذلك هي الرواية، غوص حتى النفس الأخير في اللغة والحكاية. عندما أنهيت كتابة "أنا، هي والأخريات"، أو بالأحرى الشكل الأول للرواية، قبل إعادة قراءتها، شعرت كأنّي وضعت جنيناً للتو، من دون مبالغة. كان هناك ألم في أحشائي يشبه المخاض وانقباضات مماثلة لتلك التي تشعر بها الحامل وهي تلد. لذلك، أستطيع أن أقول نعم، وبكل تأكيد، الكتابة الروائية معادلة للحياة وللولادة، وتحتاج إلى كل ذلك العصب الروحي والجسدي لكي تكتمل.
• متى وكيف ولماذا احترفتْ جنَى فواز الحسن كتابة الرواية، كصنيع إبداعيّ، وماذا تُخبرين القارئ عنكِ في معرض تعريفك لنفسكِ ككاتبة، وماذا تقولين له في تقديم روايتك هذه إليه، من خلال ما تعنيه لك الكتابة الإبداعية عموماً والروائية خصوصاً؟

خادمة الرواية
أظنني احترفت كتابة الرواية، أو اعتزمت احترافها، حين أدركت أنّي مستعدة أن أضع حياتي كلّها في خدمتها، على الرغم من الكمّ الهائل من القلق والخوف المرافق لذلك. باتت الرواية بالنسبة إلي كوسيلة لإعادة تقييم الحياة، أو عيشها مجدداً على الورق، أو حتى اختلاقها، والأمر الذي يتطلّبه تحدٍّ مماثل هو أن تتنحّى عن كونك إنساناً طبيعياً، يعيش الأحداث، إلى مراقب لها، مراقب لتفاصيل نفسك، ولما حولك. لذلك، يتطلّب الأمر حالتي تيقّظ وتحليل دائمتين، الأمر الذي قد يؤدي إلى جلد الذات أحياناً وسلبها من حقها الطبيعي بالعيش من دون أسئلة مؤرقة، أو الاستغراق بها من دون تلك المحاولة الدائمة لتدوينها، ولو في الذاكرة، حين لا يتوفّر الورق. ذلك لا ينفي، بطبيعة الحال، وجود متعة في الكتابة، متعة لا يضاهيها أمر آخر، تماماً كأنّها ذلك الإناء الذي يستوعب كل شيء، ويشعرك بالامتلاء بها. ككاتبة، الأدب، الرواية تحديدا، هي محاولة مني للتواصل مع الآخر، وتوطيد علاقتي به، لإيجاد ذلك القاسم الإنساني المشترك بيننا جميعاً، محاولة لالتقاط مشاعرنا العميقة والبحث عن ما وراء انفعالاتنا، عن ربط الأحداث ببعضها البعض، عن الاعتراض، وتوجيه الأسئلة، والشك، والتعاطف و…

للتخلّص من القسوة
• "أنا، هي والأخريات" هي سيرةٌ ذاتيّة روائيّة مقنَّعة التي تندرج ضمن ما يُعرف بـ"أدب الاعتراف"، ومع أن سردها جاء على درجة عالية جداً من الاعتراف الحميميّ، تقول راويتها في الصفحة (9) إن الأمر الوحيد الذي قد يُحدث فرقاً جذرياً في صحّة الصورة المنتظرة التي يرسمها المتخيَّل الروائي هنا "هو ما لا نقول" إذن، هل أنتِ مع الإقرار بأن كتابة السِّيرة الذاتية الروائية والسّيرة الروائية، والترجمة الذاتية، كل هذه، ما هي إلاَّ كتابةٌ إنتقائيَّة؟
هناك درجة عالية من الاعتراف الحميمي من بطلة الرواية، بوح عن مكنونات ذاتها، بجمالها وقبحها، وأعتقد أنه كان يوجد دوماً محاولة للتخلّص من أعباء كل تلك القسوة التي التزمت البطلة الصمت حيالها. أما عن عبارة أن ما يحدث فرقاً جذرياً في الصورة "هو ما لا نقول"، فيمكن تفسيرها من منطلقين، الأول أن ما لا نقول أو نبوح به هو ما نخافه فعلاً، وبذلك لا نستطيع كسر حواجزه، ويظلّ متحكماً بنا، وهو على الأغلب مرتبط بأخطائنا، لذلك عدم تخلصنا منه هو ما يبقي تلك السيطرة علينا. ثانياً، أعتقد أن الأشخاص عموما، ميّالون لرسم صورة مثالية عن ذواتهم، تمنعهم من الاعتراف بأنّهم لم يكونوا على مستوى توقّعاتهم من أنفسهم، لذلك، يختبئون وراء تلك الصورة ولا يقولون أنّهم قد يكونوا مختلفين، وذلك أيضاً يحوّلهم إلى أسرى، وقد يشكّل عبئاً على حياتهم. غالباً ما تبحث النفس البشرية عن تبريرات لتقصيرها، لخنوعها، وتحاول أن تقتنع بها. لذلك، الكتابة الذاتية قد تميل إلى حفظ تلك الصورة الجميلة، وتبقى بذلك انتقائية، فنحن لا نجرؤ دوماً على قول الأمور كما هي، لأن الحقائق مخيفة ومكلفة، وقد تدفع بنا خارج المنظومة الاجتماعية المبنية على الكثير من النفاق، وقد تجعلنا عرضة لأحكام الآخر، الآخر الذي قد يستغلّ الوضوح في الاعتراف، بدلا من تقدير الشجاعة اللازمة له. يجدر بي أن أضيف أني لا أعتبر "أنا، هي والأخريات" سيرة ذاتية، ربّما تحمل الحكاية الكثير من الصراعات والأسئلة التي تعنيني، ولكنها ليست تجربتي.

شكّ
• لماذا اختُصَّ عنوان هذه الرواية/ السِّيرة بمضمون. نسائيّ/ أنثويّ صرف، بينما نراه يُفرد حيوزات واسعة جداً لشخصيات ذكورية تعرَّضت لمظلومية مشابهة أو مساوية لمظلوميّة نسائها في المحيط المعيش ذاته؟
لم أكتب عن المرأة فحسب في روايتي، بل كان هناك أيضاً شخصيات ذكورية أساسية على نفس القدر من الأهمية. أرفض دوماً أن نشير إلى المرأة كضحية الرجل، رغم أنها قد تكون كذلك في حالات معينة، ولكن المرأة لا تختصر كضحية. الرجل أيضاً يرزح تحت ضغط المنظومة الاجتماعية التي تقيّده وتظلمه كثيراً. وبالتالي، أجدني أقرب إلى الإنسان، سواء كان ذكراً أو أنثى، طفلا أو شيخاً، قائداً أو عاملاً. ولكن نظراً إلى أن الراوية هي سحر، والأحداث الرئيسية تمحورت حولها، فقد أتى العنوان الأقرب إليها. العنوان، على أيّ حال،يبقى بالنسبة لي أمراً تفصيلياً، وأعتقد أنّه يعجز أن يختصر كتاباً بأكمله. قد يشكّل عنصراً جاذباً للقراءة، ولكن أشك أن العناوين بمقدورها أن تختزل التفاصيل او حتى تشير إليها كما يستحقّ المضمون.
• تِبْعاً للسؤال السابق، هل أن موقع هذه الرواية/ السِّيرة هو ضمن نطاق مصطلح "الأدب النِّسائي" كما هو رائج، وهل تؤمنين – ومن موقعك ككاتبة روائية – بهذا التّقسيم بين أدب نسائي، وأدب رجالي أو ذكوري؟
لا أعترف بهذا التقسيم، وأعتقد أنّه مسيء جدا للأدب أن نحاول تجنيسه أو "جندرته". لكل كاتب خصوصيته، سواء كان رجلا او امرأة. الهاجس الاجتماعي بهذه التفرقة بين الجنسين يأخذنا دوماً إلى تصنيف الأدب، وبالتالي تحويله إلى أفق "محدود"، بينما الكتابة لا تتبلور إلا إذا أصبحت أفقاً مفتوحاً ومتجدداً، منعتقاً من التقليد، ومنعتقاً من كونه منبراً فقط للانفعال، أي التعبير عن كراهية جنس لآخر. أنا أحمل في داخلي شقاً ذكورياً قد يكون متساوٍ مع شقي الأنثوي، وأعتقد أن الحياة تتطلب منا أن نكون ذاك المذكر أحيانا، بصلابته، وذاك المؤنث، بانسيابه كالماء، أحياناً أخرى. لذلك، أجدها إهانة أن نضع الكاتب أو الكاتبة في خانة "ادب نسائي" أو "أدب رجالي". نحن لسنا في متجر للملابس والفكر لا جنس له.

الثالوث القمعي
• تُقاربُ هذه الرواية/ السِّيرة؛ لا بل تُواجه – وفي ذروةٍ لافتة من الجرأة المِقدامة – موضوعات الثالوث المحرَّم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية: "الجنس والسياسة والدِّين"، هي التي لما يزل الخوض فيها محرَّماً شبه محرَّم عندنا، فمن أين استمددتِ كل هذه الجرأة الكافية في تناوُلك هذا الثالوث، نظراً لما صودر من كُتُبٍ عربية إبداعية سابقة اتُّهم أصحابُها – ولمحاولاتهم الخوض في هذا المجال وبطرق مختلفة – بالوقوع بالمحذور الشديد الوقْع، الذي لا يجوز – سلطوياً – السكوت أو التغاضي عنه؟
هذا الثالوث "الجنس والسياسة والدين" ليس سوى أداة للقمع و"فزّاعة" يضعونها في وجهنا منذ الصغر. من فرض هذا الثالوث؟ ولماذا تمّ فرضه؟ من قال أنّنا لا يمكن أن نشكّك في الأنظمة السياسية ودور الأديان والمفاهيم الجنسية؟ لا أظن أن من يملك حججاً كافية للدفاع عن فكره الديني أو السياسي أو الجنسي سيخاف من النقد او التشكيك. الخائفون هم الذين يُقمعون ويُمنعون، وليس الأحرار، إذ أنهم يربطون هذا الثالوث بمكتسبات، يخشون من خسارتها في حال تمت إثارتها. ثالوث "الجنس والدين والسياسة" هو ستار تمارس تحت لوائه كل أشكال الخراب، خراب ينخر بنيتنا النفسية وعلاقاتنا الاجتماعية ويحوّلنا إلى أداة في يد الطغاة، على أنواعهم. أظنّ أن هذه الجرأة أتت نتيجة لحياتي التي شهدت فيها الكثير من الظلم، سواء على الصعيد الشخصي أو الصعيد الاجتماعي العام، ورفضي أن أتحوّل لمجرد ضحية لهذه الحياة، لأني أؤمن أنني ككائن بشري، خلقه الله على صورته ومثاله، أستحق أفضل من ذلك. وبالتالي، إيماني بالحرية هو ما يزوّدني بالجرأة، كذلك إيماني بالموت، ورغبتي بأن أبتسم له حين يأتي وأقول أنّي عشت حياتي كما أريد، وفقاً لقناعاتي، من دون ان أبقى أسيرة الخوف او أن اكون مجرد نتيجة لأدوات القمع والاستنساخ التي تحيط بنا من كل صوب.
  

آخر تحديث: 4 أكتوبر، 2012 11:00 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>