للصمت حدود.. يا وطن

ذات ليلة على طريق مار مخايل النهر، كنت برفقة صديقتي في سيارتها، ذاهبتين إلى جلسة مع الأصدقاء. توقفنا عند إشارة حمراء. وإلى جانبنا توقفت سيارة جيب للجيش، جلس فيها رجل بلباس مدني، في المقعد الخلفي وحده.
«بس بس بس بس»، أتى الصوت من جهة سيارة الجيش. لم أستغرب، فهذه ليست المرة الأولى التي يعمد فيها حماة الوطن للتحرش بصديقاتي وبي بينما هم في لباسهم الرسمي، أي بينما هم يمارسون واجبهم بحماية الطرقات..!
ولكن هذا المدني، في عربة الجيش، ماذا يفعل هناك؟ لماذا هو مدني؟ ولماذا يسمح لنفسه، ومن عربة تنتمي لمؤسسة من المفترض أن يكون همها حفظ حدود الوطن وكرامته، أن يعتدي على حدودي؟
نظرت إليه، وقلت: «ما بتستحي ع دمّك؟ قاعد بعربة الجيش وعم تلطش على البنات، إنتو بالطريق حتى تحمونا أو تلطشو علينا؟».
أجاب، بكل قرف: «إنتي شايفة منظرك كيف؟». رغم أنه كان قبل خمس ثوان لا أكثر، «يبسبس» لي ويغمزني.

ودار الحديث، ما بين حريتي بأن يكون «منظري متل ما بدي»، وبين محاولاته لإسكاتي من خلال التركيز على شكلي، ومساعيه الفاشلة لتحجيمي لكي أصمت.
ذكّرته بوقاحته: «استحي بس على العربية يلي قاعد فيا». فأجاب منفعلا: «سدي بوزك.. سدي بوزك».
هذا الجيشي «المدني» في الشاحنة العسكرية هكذا يعامل نساء وطنه، يسد أبوازهن عندما يواجهنه ليدافعن عن أنفسهن ضد التحرش.

الإشارة خضراء أخيرا. مشت الشاحنة.. وكانت الـ«سدي بوزك» آخر ما سمعته.
ما بين الشرف والتضحية والوفاء، لا أدري أين وجد المكان لقلة الانضباط وقلة التهذيب وقلة الإحترام. أليس من المفترض على الجيش أن يكون مؤسسة تحترم الناس وتعامل نساء بلدها بمساواة؟ أو اقله، إن لم يكن من واجبهم تأمين طرقات آمنة لكل الناس، أن لا يكونوا جزءا من انعدام هذا الأمان. بماذا يختلف عنصر الجيش هذا عن أي أزعر «يلطّش» النساء في الطريق؟
أكره التعميم، ولست أدعي أن كل عناصر الجيش يقومون بذلك. ولكن نادرا ما مررت بجانب عسكري على حاجز، أو في شاحنة، أو حتى أمام مركز، ولم أسمع «بسبسة» أو تلطيشة أو غمزة..
لن أطيل الحديث، ولن أتعب نفسي بالكلام عن هذا البلد ومؤسساته الفاسدة، التي لا تحترم الإنسان، ولا المرأة، ولا حتى نفسها. ولكن سأترك لنفسي حق الرد، على الـ«سدي بوزك»:

عزيزي الـ«جيشي المدني»، كلنا نعرف من تكون. كلنا نعلم ما موقعك من إعراب الدولة، كي تسمح لنفسك بالتصرف بهذا الشكل الفوقي على الشعب. يمكنك أن تهددنا، أن تلطشنا. يمكنك أنت ودولتك، أن تجردنا من حقوقنا، أن تقمعنا، أن تنسى أن تحمينا. يمكنك أن تستخف بقدراتنا، أن تحاول تحجيمنا. يمكنك إخافتنا وإسكـاتنا. لكنك مهما فعلت، ومهما حاولت، ومهما قمعت، لن تقدر على «سد بوزي»، أو «أبــواز» نــساء هذا الــبلد. صوتنا سيـظل عالياً، قــوياً لأنــه صوت الحق. صوت لن يتعب من الصراخ حتى تفيق ضمائركم من غيبوبتها المرضية.

«بوزي»، يا عزيزي، هذا الذي تريـد أن تسده، هو من أسلحتي كإمرأة. وصوتي الذي تريد قمعه، هو أعلى من الخوف منك ومن أمثالك.
قلت وأقول، يمكنك أن تفعل بنا ما تشاء، ولكنك لن تستطيع أبدا أن تسد أبواز نساء هذا الوطن.. يا وطن.  

آخر تحديث: 11 سبتمبر، 2012 10:14 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>