الخوف على سورية من الصوملة

لم يعد لدى النظام السوري سوى الرهان على الوقت لعلّ الوقت كفيل بتمكينه من اقامة جيب علوي. هل الوقت يعمل لمصلحته كي يجوز مثل هذا الرهان؟ يبدو انه يظن ان عامل الوقت يمكن ان يساعده في التحكم مستقبلا بجيب علوي على الساحل السوري وذلك عن طريق متابعة الحملات العسكرية الهادفة الى تهجير اكبر عدد ممكن من سكان حمص من جهة والتوسع في اتجاه حلب والمناطق القريبة منها من جهة اخرى. وهذا ما يفسّر الى حد كبير هذا الحشد الكبير من القوات الموالية للنظام في دمشق نفسها وذلك بغية اطالة معركة العاصمة قدر الامكان في انتظار ترتيب الاوضاع في المنطقة الساحلية ذات الاكثرية العلوية.

يبدو واضحا ان الكلام الذي صدر عن نائب رئيس الوزراء السوري السيّد قدري جميل، وهو كردي، يندرج من حيث يدري او لا يدري في هذا السياق، سياق كسب الوقت ليس الاّ. تحدث قدري جميل من موسكو، بعد محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، عن حوار وطني وعن امكان طرح مسألة استقالة الرئيس بشّار الاسد في سياق هذا الحوار. اراد ان يقول ان ليس هناك ما يمنع احد المشاركين في الحوار من طرح مسألة استقالة الاسد. كاد ان يقول ان من سيطرح مثل هذا الكلام سيجد من يردّ عليه بكلام آخر وليس برصاصة ولن يكون مصيره مثل مصير اطفال درعا الذين تجراوا في بداية الثورة على كتابة شعارات معادية للنظام على الجدران!

مثل هذا الكلام الصادر عن وزير كردي، صهر لخالد بكداش، كان شيوعيا، وربّما لا يزال، والذي اعارته بعض وسائل الاعلام اهميّة لا يقدّم ولا يؤخّر. انه كلام تجاوزه الزمن لا علاقة له بالواقع السوري، اي بما يدور على الارض حيث لم يعد امام النظام سوى خيار واحد هو الدولة العلوية…
ان المسؤول العربي الوحيد الذي تجرّا على طرح المسألة العلوية بكلّ ابعادها وما ينوي بشّار الاسد عمله بشكل صريح هو الملك عبدالله الثاني الذي اشار في مقابلة تلفزيونية اجريت معه قبل اقل من شهر الى «الجيب العلوي». هذا هو الخيار الوحيد الباقي امام الرئيس السوري. وهذا الخيار هو الذي يدفعه الى الرهان على عامل الوقت وعلى متابعة السير في الحلّ الامني الى النهاية اعتقادا منه ان ذلك سيساعد في رسم خطوط الدفاع عن «الجيب العلوي».

هل ينجح النظام السوري في مخططه؟ الجواب الاقرب الى الواقع ان مثل هذا الخيار تجاوزه الزمن. وهذا عائد الى ان حجم الجرائم التي ارتكبها النظام في حق السوريين لن تسمح بانتقال آل الاسد والمحيطين بهم الى المنطقة العلوية والعيش بأمان فيها. اكثر من ذلك، هناك ثارات قديمة بين العلويين انفسهم يمكن ان تحول دون تمكين آل الاسد من المكوث طويلا في القرى والبلدات التي يمتلكون نفوذا فيها. هل نسيت عائلة محمد عمران من قتل الرجل الذي كان ضابطا كبيرا ومن رفاق حافظ الاسد؟ هل نسيت عائلة صلاح جديد من سجن الرجل… حتى الموت؟ حتى عائلة غازي كنعان، يمكن ان تكون لديها اسئلة تطرحها على بشّار الاسد.
لا يمكن في اي شكل الاستخفاف بالخلافات العلوية- العلوية وبالعراقيل التي يمكن ان تحول دون قيام «جيب علوي» يمكن ان يحتمي به آل الاسد. ولذلك، يبدو رهان النظام السوري على الوقت في غير محله. الرهان الوحيد الباقي امام اهل النظام يتمثّل في ايجاد صيغة تؤمن انتقال كبار المسؤولين السوريين الى الخارج، الى روسيا او ايران تحديدا.

اما سورية نفسها، فتبدو دولة قابلة للانفجار من داخل في حال عدم التوصل الى حل سياسي في القريب العاجل يؤمن قيام مرحلة انتقالية، لا يكون للاسد الابن ومن معه علاقة بها لا من قريب او بعيد. في حال عدم حصول ذلك، هناك خوف كبير من صوملة سورية. نعم صوملة سورية. كان هناك في الماضي القريب خوف من صوملة اليمن، ولكن يبدو حاليا ان الخوف على سورية صار اكبر بكثير من الخوف على اليمن. هذا لا يعني ان اليمن في امان، بمقدار ما يعني ان البلد تجاوز، ولو موقتا، مرحلة صعبة توجت بخروج الرئيس علي عبدالله صالح من السلطة وبدء مرحلة انتقالية قد تنتهي بصيغة جديدة تدار من خلالها شؤون البلد… وازماته.
قد يكون الفارق بين بشار الاسد ومحمد سياد بري، آخر رئيس للصومال الموحّد، ان الاخير استطاع بعد خسارته السلطة في العام 1991 الانتقال الى مسقط رأسه والعيش، حتى وفاته، في حماية اهل عشيرته. وهذا امر لن يتمكن الرئيس السوري من عمله. كلّ ما يستطيع عمله هو ان يفعل ما فعله سياد بري، اي تأمين عدم قيام بلد موحّد طوال اكثر من اربعة عقود.

قبل واحد واربعين عاما، رحل سياد بري عن مقديشو. هناك الآن محاولات لانتخاب رئيس جديد للصومال. قد تنجح هذه المحاولات كما قد تفشل، الشيء الاكيد كلّ الصومال مدمّر. هل سيكون علينا الانتظار طوال اربعة عقود، بعد خروج بشّار الاسد من دمشق كي يصبح في الامكان البحث عن رئيس جديد لسورية؟ انه سؤال اكثر من جدّي في ضوء الاصرار الذي يبديه النظام السوري على تدمير كل قرية ومدينة سورية من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب ومن الساحل الى دير الزور وآخر قرية على الحدود مع الاردن. من قال ان محمد سياد بري ليس صاحب مدرسة سياسية تقوم على فكرة «عليّ وعلى اعدائي يا ربّ»؟  

آخر تحديث: 27 أغسطس، 2012 9:22 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>