لماذا هذا الحر؟

ليست من علامات ظهور النفط والغاز، ان تسجل درجات الحرارة ارقاما قياسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان. الارجح انها من علامات الساعة التي لا ريب فيها. لكن السؤال هو ما اذا كانت العلامة الحارقة التي ارسلت الاسبوع الماضي، وألهبت مختلف المناطق اللبنانية من دون استثناء بمعدلات قاربت الخمسين درجة مئوية، بمثابة إنذار أخير، او دعوة الى التوبة التي توفرها جميع الأديان والشرائع السماوية قبل ان ترسل الضالين من أتباعها الى الغليان.
لم تكن موجة الحر عادية أبداً. وأي تدقيق بسيط في السجلات وفي الذكريات المنسوبة الى كبار السن، يؤكد ان ما تعرض له لبنان الاسبوع الماضي، وما يتوقع ان يتعرض له في الاسابيع القليلة المقبلة، كان بمثابة حريق متعمّد، كاد يجعل جميع البقع اللبنانية من الساحل الى الجبل الى الداخل، غير صالحة للسكن، خصوصاً أنها غير جاهزة لمواجهة هذا النوع من السلوك القاسي من جانب الطبيعة، التي لم تترك مجالاً على الاقل للتخطيط في سبل درء هذا الخطر او تفاديه، بما يتعدى النصائح السخيفة التي كان يوجهها اطباء النفس، ومفادها ان يتوقف المرء عن التفكير في الحر، وان يمتنع عن التعبير عن شعوره، أي أن يتعامل مع الموجة الحالية بإيجابية، بدلاً من ان يحاول إقناع الطبيعة بأن تتصرف معه بايجابية!
لم تكن الحرارة الشديدة دليلاً على وجود النفط والغاز الذي اكتشفه الاسرائيليون وشرعوا في استخراجه قبالة السواحل اللبنانية، من دون ان يعانوا من تلك الموجة، ولا كانت مؤشراً على الاحتباس الحراري الذي يضرب الكرة الارضية منذ ثلاثين سنة، ويستثني لبنان الى حد بعيد من مخاطره الجمة، ولا كانت برهاناً على ان اللبنانيين اساؤوا هذه السنة مثلاً الى طبيعة بلدهم، اكثر مما فعلوا في سنواتهم الماضية وفي حروبهم الدائمة، التي كانت في معظمها تؤدي الى تشويهات جدية للبيئة اللبنانية، لم يعد بالإمكان تفادي آثارها البعيدة.
اصعب ما كان في تلك الموجة انه لم يكن من السهل العثور على جهة يمكن ان تتحمل الملامة او المسؤولية. حرائق موسكو الكارثية لم تكن كافية للتسليم بالقدر، لانه على مقربة من العاصمة الروسية المغطاة هذه الايام بسحب الدخان، والتي هجرها نصف سكانها، كانت بقية البلدان الاوروبية من بولندا في الشرق الى المانيا في الوسط الى فرنسا وبريطانيا في الغرب تتمتع بطقس صيفي طبيعي، تتخلله الامطار الموسمية العادية، وحتى بعض الفيضانات التي تحجب الأنظار عن تلك التي تغرق باكستان والهند وبنغلادش في مثل هذا الوقت من كل عام فتقتل الآلاف وتشرد الملايين.
ثمة ما يستدعي الاشتباه بان هناك استهدافاً مباشراً للبنان، من دون سواه من الدول المجاورة التي لم تصرخ من شد الحر، ولم تعترض، ولم تسأل حتى عن الأسباب.. لكنها بلا شك تراقب غضب الطبيعة الذي ينزل على اللبنانيين، ويفرض عليهم التواضع حتى في الترويج لبلدهم، ويدعوهم الى البحث عن صلاة مشتركة، او عن توبة موحّدة عن جميع ذنوبهم!
 
 

آخر تحديث: 18 يوليو، 2012 10:58 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>