أسرار الضاحية الجنوبية داخل الفان رقم 4

بلَكنَتِه الجنوبية يبدأ حديثه: عم بيقولوا إنّو مبارح كمشوا عميل لإسرائيل بمنطقة صفير، مظبوط هالحكي؟ لم يجد الرجل الثمانيني جواباً لسؤاله هذا بالسرعة التي كان ينتظرها، لكنّه أراد إعادة السؤال ولو بطريقة مختلفة، «إيه ما البلد مليانة عملاء». وحده السائق يتدخّل قائلاً: «الله يستر، سمعت إنّو في مسؤول كبير لقطوه بتهمة العمالة».

يسير بخطى ثقيلة متنقلاً بين منطقة وأخرى، يحمل حكايا الناس وهمومهم إضافة إلى أفكارهم السياسية المتناقضة. يبدأ رحلته يوميّاً من منطقة حي السلّم في الضاحية الجنوبية وصولاً إلى الجامعة الأميركية في الحمراء. إنّه “الفان” رقم 4.

على رغم صغر حجمه الذي لا يتّسع سوى لإثني عشر راكباً، إلّا أنّ لهذا “الفان” قلباً بعمق البئر يتّسع لأسرار أهالي الضاحية الجنوبية بكلّ ما يختزنونه في داخلهم من أوجاع ومعلومات تجعلهم محطّ أنظار العالم، لكن العمل على استخراج ما في تلك البطون قد يُكلّفك 2000 ليرة ثمناً لرحلتين متتاليتين على متنه.

خطيفة إلى بعلبك

السائق هو قائد الرحلة ويحلو له قول كلّ ما يريد حتى لو اختلفت وجهة نظره مع أيّ من الركّاب. يعود ويؤكّد كلامه وهو أنّ مسؤولاً كبيراً في “الحزب الحاكم” على حدّ تسميته لإحدى الأحزاب المحلّية، ألقِي القبض عليه منذ أسبوعين، وفي حال تمّ الكشف عن اسمه لاحقاً فسيشكّل ذلك صدمة كبيرة للناس، أنا شخصيّاً لديّ الكثير من المعلومات عن القضية.

أفلت الحديث لدقائق، فهناك من يريد أن ينزل عند تقاطع بشارة الخوري. عجقة سير خانقة والسائق يستعجل ركّاباً آخرين في الصعود بحدّة، وقبل أن يعود ليكمل حديثه يذكّر صديقه الذي يجلس إلى جانبه: ما تنسى “بـ هاليومين بدي آخدها خطيفة وإطلع فيها على بعلبك، والرجّال فيهن يلحقني”.

كلام سائق “الفان” لصديقه لاقى امتعاضاً من بعض الركّاب، لكنّ كلامه السياسي وجد ردود فعل متطابقة مع معظمهم، فالجميع هنا متفقون على أنّ الضاحية الجنوبية التي عاهدوها لأعوام طوال لم تعد كما في السابق.

تشتكي إحداهنّ من آفة المخدّرات التي وصلت تقريباً إلى كلّ بيت بمن فيهم أبناء بعض المسؤولين في “الحزب الحاكم”. تستأذن من السائق لاستعارتها “الجملة”، وتكمل: “الله وكيلكم”، إنّ تجّار المخدّرات يصلون لفريستهم يوميّاً على الطرقات المؤدّية إلى منازلهم وفي الدكاكين المحيطة بها.

تصوّروا أنّ حفيدي كان إحدى ضحايا هؤلاء التجّار، وبعدما اكتشفنا أمره أرسلناه للعلاج من الإدمان في مشفى “بحنّس” على نفقة رجل مسيحي يعمل ابني موظفاً في إحدى شركاته، ولكن بعد شهرين على خروجه من العلاج عاد أولاد السوء لترغيبه في تعاطي المخدّرات مجدّداً، وهو اليوم عاطل عن العمل “يشحذ” المال من هنا وهناك لشرائها”.

من هو العميل؟

“وين بدّك تنزل عَم”؟ “عند مستشفى الجامعة”، يجيب الرجل الثمانيني الذي يكمل حديثه فيقول: “والله العظيم إنّو الضاحية كانت من أهمّ المناطق الآمنة في لبنان، فأنا أعيش فيها منذ أكثر من 50 عاماً، فهي كانت عنواناً للعيش المشترك، وخصوصاً مناطق الشيّاح وحارة حريك وبرج البراجنة. كنت ترى بساتين الليمون على “مدّ عينك والنظر”، لكن مع قدوم الأحزاب والمليشيات والغرباء تبدّلت وأصبحت مقصداً “للزعران”، “هيك بدهن زعماء طائفتنا، الله يسامحهم”.

يسكت الثمانيني لبرهة من الوقت ويعود لسؤاله الأوّل عن العميل الذي ألقِي القبض عليه. ومَن غير قائد الرحلة أعلم بهذا الموضوع ليردّ على الثمانيني، فيقول: “الموضوع ليس البارحة يا حاج، بل منذ أسبوع تقريباً.

هو مسؤول كبير له مركز حسّاس داخل “الحزب الحاكم” من آل الحسيني، يقال إنّ له شقيقاً لقبه سهيل مسؤول عن وحدة الصواريخ الموجّهة نحو إسرائيل، ويُقال أيضاً إنّ إسرائيل فشلت أثناء حرب تمّوز في قتل سهيل عند تقاطع غاليري سمعان عبر صاروخ موجّه من إحدى طائراتها”.

نزّلني هون الله يخلّيك

إنّها الجامعة الأميركية، وجهة سير “الفان” الأخيرة، يصرخ الثمانيني “نزّلني هون الله يخلّيك”، فيجيبه السائق بلكنة بقاعية/ “كُلكن رح تنزلوا، بدّي إرجع عالضاحية”. تنتهي الرحلة الأولى وتنتهي معها معرفة أشخاص صادقتهم وعايشتهم لمدة ساعة تقريباً، لكنّ الموضوع يستأهل رحلة أو مغامرة أخرى للتعرّف على أشخاص جدد قد يكون لديهم مشاكل من نوع آخر.

وجوه جديدة

إنّه “الفان” رقم 4 مجدّداً، لكنّ الذي تغيّر هو اللون والسائق والركّاب أيضاً. كلّ “الفانات” التي تعمل على هذا الخط تحمل الرقم 4، وما عليك سوى الصعود واختيار النقطة التي تريد النزول عندها. هنا تغيّرت الوجوه ولم يعد الرجل الثمانيني موجوداً ولا حتى الحجّة التي تحدّثت عن حفيدها، لكن بالتأكيد هناك قائد للرحلة وإن تبدّلت الوجوه أو حتى الأسماء، ويبدو أنّ هموماً وهواجس عدّة تجمع سكّان الضاحية الجنوبية… الوضع الأمني في الدرجة الأولى يليه الوضع الاقتصادي.

هنا قائد الرحلة هو من يبدأ الحديث، فيقول: “على الدولة أن تزيد التعرفة من ألف ليرة إلى ألفين، وإلّا فلنجلس في بيوتنا أفضل و”أوفر”. بسرعة البرق يأتيه جواب من سيّدة محجّبة تجلس في الزاوية: “عندها نفضّل السير على الأقدام من الركوب معكم. الأجواء هنا لا تحتمل مزيداً من التعصيب. الجميع متضايق من الوضع المعيشي وحالهم واحدة، الحكومة هي السبب”.

لكن يبدو أنّ لقائد الرحلة رأياً آخر عمّا يجري في البلد، إذ إنّ نظريته تفيد بأنّ هناك مؤامرة على الشيعة في لبنان وكلّ ما يحصل يندرج ضمن مخطّط ترحيلهم من البلد”.

الحريري والسنيورة السبب

بعض الركّاب لم يؤيّدوا فكرة السائق هذه وبعضهم الآخر أيّدها، بل وذهب أبعد منه في وصف ما يجري، فيقول أحد هؤلاء: “المؤامرة على المقاومة وعلى السيّد حسن لأنّه يرفض تسليم السلاح لزمرة من الخونة والمتعاملين مع إسرائيل وفي طليعتهم سعد الحريري وفؤاد السنيورة”. هذا الكلام يُخرج أحد الركّاب عن صمته فيسأل: “هل الذين ذكرتهم مسؤولون عمّا يحدث في الضاحية من دعارة وعمالة وتشبيح وسرقات وجرائم؟ لماذا نرمي دائماً بمشاكلنا على الغير؟ ولماذا لا نضع إصبعنا على الجرح ونقول هنا الخطأ ويجب إصلاحه؟”

ويضيف: “هل مِن بيننا إبن لمسؤول في الضاحية؟ بالتأكيد لا، لأنّ شخصاً كهذا لن يصعد “الفان” رقم 4 ولا سيارة أجرة، وهو محاط دائماً بالمرافقين وبسيارات رباعية الدفع حتى في حال ذهابه إلى الجامعة او المدرسة.

معك حقّ

يعمّ السكوت لبعض الوقت، ليخرقه كلام شاب عشريني: “والله يا عم معك حق”، أنا من سكّان حي السلّم ومنذ يومين تمّ اكتشاف مجموعتين، الأولى تروّج لعملات مزيّفة
والأخرى لتجارة المخدّرات، ويحكى أيضاً عن شبكات دعارة مؤلّفة من لبنانيات وأثيوبيات، واليوم نسمع عن شبكة جديدة لعملاء مع إسرائيل يقال إنّ احد أعضائها مسؤول كبير”.

يعيد سائق “الفان” الكلام الذي قيل في الرحلة الأولى، “نعم هو من آل الحسيني”. فيجيبه الراكب الموضوعي: “لا لا، المعني هو أهمّ بكثير من الشخص الذي ذكرته، وفي حال تمّ التأكّد من عمالته، فسيجرّ رؤوساً كبيرة من داخل الضاحية وربّما من خارجها. الموضوع كبير ولا يجب التهاون به”.

آخر تحديث: 20 يوليو، 2018 12:36 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>