أعطنا أمننا كفاف يومنا

لم يعد أمام اللبنانيين سوى واحد من خيارين إثنين لمواجهة مرحلة "الأمن المفقود" التي يعيشون أبشع صورها ومشاهدها اليوم، الأول هو خيار الهجرة من البلد الذي يتوسله الآلاف من الشباب الذين كفروا بالبلد وفقدوا الأمل بحياة كريمة فيه، والثاني خيار الاستسلام للواقع القائم المفروض على من لا حول لهم ولا قوّة، وكتب عليهم البقاء فيه منتظرين ما يحمله اليهم المستقبل المجهول، وينتظرون الأمن الآتي كل يوم بيومه وها هم يعيشون كل يوم بيومه تيمناً بأغنية "إمشي على ما يقدر الله والكاتبو ربك بيصير".
ورغم الجانب الإيجابي الذي تراه أو تقرأه مصادر أمنية في الإجراءات المتخذة على الأرض من خلال الخطة الأمنية لضبط الوضع، إلا أن المواطن لم يلمس أي إنجازات، والدليل أن هذه الخطة لم تبدل شيئاً في يومها الثالث الذي انتهى أمس، باستثناء ما أعلن عن تنظيم محاضر ضبط لمخالفين، وتوقيف مخالفين ومطلوبين وهذه كلّها لا يستطيع المواطن أن يدرجها في خانة الإنجازات، لأن دوريات الشرطة الروتينية كانت تطبق هذه الأمور في الأيام العادية.
وتحاول المصادر الأمنية أن تجعل من الصورة القاتمة أقل سواداً وأكثر انقشاعاً، وهي تؤكد لـ"المستقبل"، أن "خارطة الطريق التي تُعتمد في الخطة الأمنية تنطلق من نوايا صادقة ومخلصة لدى وزير الداخلية والبلديات مروان شربل وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية العازمين على أن يبقى الأمن تحت سيطرة الدولة دون سواها". وتشدد المصادر على أن "الرسالة الواضحة والصادقة التي وجهها رئيس الجمهورية (يوم الأربعاء الماضي) الى الجميع على طاولة مجلس الوزراء، وأيدتها القوى السياسية والحزبية، تضع هذه القوى أمام مسؤولياتها". مشيرة الى أن "الأيام القادمة ستثبت مدى التزام القوى بتعهداتها برفع الغطاء عن المخلين بالأمن، وكل من ينكث بعهوده عليه أن يتحمّل المسؤولية أمام الله والوطن والشعب".
وكشفت المصادر عن "استراتيجية أمنية شاملة ستتولاها الأجهزة الأمنية بالتنسيق والتعاون التام مع الجيش الذي سيكون له الدور الكبير في إنجاحها، خصوصاً وأن لا مصلحة لأحد بعد اليوم أن يحمي الخارجين على القانون، وأن التجربة التي لا تزال ماثلة أمام اللبنانيين، أثبتت أن هؤلاء عادوا واستغاثوا بالدولة عندما شعروا بعبء المخلين بالأمن عليهم بالدرجة الأولى وعلى جمهورهم بالدرجة الثانية".
ورداً على سؤال عمّا إذا كانت هذه الإجراءات التي هي أشبه بمسكنات تُعطى لمن يعاني الداء العضال الذي يلتهم جسده، باعتبار أن السلاح الخارج عن طور الشرعية والمستقوي على الدولة هو السبب الأساسي لكل هذا الفلتان المستشري، أجابت المصادر "هناك مساران يجب أن لا يكون أحدهما رهينة الآخر، فإذا كان المقصود حلّ مشكلة سلاح "حزب الله" فإن هذا السلاح موضوع على جدول أعمال طاولة الحوار، وهو خاضع لقرار سياسي داخلي على أعلى المستويات وربما قرار إقليمي، لكن السلاح المنتشر بيد "الزعران" يجب وضع حدّ له فوراً لأن خطره كبير على الناس وعلى الدولة معاً وحتى على أصحابه، ومن هنا فإن كل القوى مدعوة لتحمّل مسؤولياتها برفع الغطاء عنه وعمّن يملكه ويستعمله، وهذا هو الهدف الذي تعمل الخطة الأمنية على تطبيقه".
وإذا كانت الأجهزة الأمنية تقوم بعملها وفق الخطة المرسومة لها من قادتها والمراجع الرسمية صاحبة القرار بذلك، فإن المواطن ما زال يسأل عمّا إذا كانت هذه الخطة كفيلة بطمأنته وقادرة على حمايته، أم أنها ذاهبة الى ما انتهت إليه غيرها من الخطط؟، وهل أن الأجهزة المعنية بتطبيقها أخذت الضوء الأخضر من القوى السياسية لتطبق القانون بحق المحسوبين عليها، أم أن توقيفها لأي مخل بالأمن سيواجه بما واجهته هذه الأجهزة عند توقيف وسام علاء الدين الذي قبض عليه بالجرم المشهود لدى إحراقه مبنى تلفزيون الجديد؟، وإذا كانت القوى السياسية والحزبية صادقة في مساعدة الدولة وإطلاق يدها لتطبيق القانون وتوقيف الزعران، لماذا لا تسلّم باقي المشتركين بمحاولة إحراق محطة "الجديد" ومن بعدها إخبارية "المستقبل"؟، لماذا نظمت مجموعات تهدف الى ضرب قلب العاصمة بيروت، وتمعن في ترهيب اللبنانيين؟
طبعاً لا أحد يجيب اللبناني عن تساؤلاته، كما أنه لا أحد يبدد خوفه وقلقه على مصيره ومستقبل أبنائه، فالموضوع أبعد من ذلك بكثير وأكبر من ذلك بكثير، لأن من يملك الجواب الشافي ليس الدولة العاجزة والقاصرة وأجهزتها المسكينة، إنما الآمر الناهي في الموضوع الأمني، سيما وأن هذه الجهة لم تحسم أمرها بعد، ولم تحدد موقفها من هوية الكيان اللبناني، ولذلك سيبقى المواطن عالقاً بين "شاقوفي" الفلتان المحمي داخلياً، والتطورات الإقليمية التي تلفّ لبنان الجريح من كل الاتجاهات، باعتبار أن أصحاب الاستراتيجيات وحماة التسيّب المدروس، ينتظرون جلاء صورة مشهد المتغيرات الإقليمية لا سيما في سوريا، قبل أن يحددوا قناعتهم للمرة الأخيرة بأن لبنان هو وطن الجميع، أم أنه سيبقى مجرّد ساحة للقوى الإقليمية التي أوجدتهم من عدم. 
 

آخر تحديث: 30 يونيو، 2012 10:16 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>