إخوان مصر: على خطى أردوغان أم أربكان؟

أوصاف عديدة أُطلقت على الأحداث التي تجري في مصر هذه الأيام: من الانقلاب العسكري إلى الثورة المضادة، ومن تكرار التجربة الجزائرية إلى "إعادة تكرير" حكم العسكر المستمر بلا انقطاع منذ العام 1952.
كل هذه النعوت تتضمّن شيئاً من الحقيقة، لكن ليس كلها.

السبب؟
إنها تميل إلى أن مقاربة كل مايحدثـ إنطلاقاً من زاوية العسكر والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتنسى الطرف الثاني المهم في المعادلة ودوره الكبير في دفع الأمور إلى ماهي عليه الأن في بلاد الفراعنة والفاطميين: جماعة الإخوان المسلمين.
فهذه الجماعة ارتكبت منذ إطاحة الرئيس حسني مبارك سلسلة متصلة من الأخطاء الاستراتيجية، التي حوّلتها إلى خصم ليس فقط للجيش بل أيضاً لكل أطياف المشهد السياسي، بما في ذلك حتى العديد من السلفيين الإسلاميين وبالطبع الحركات الصوفية.
السبب الظاهر لهذه الأخطاء هو النهم للسلطة بعد "جوع" دام نيفاً وثمانين سنة. لكن قد يكون هناك سبب غير ظاهر: تسرّع الجماعة في قراءة طبيعة التحولات الدولية التي سمحت للربيع العربي بأن يكون ربيعا. إذ تشير كل المعطيات إلى أن بعض القيادة النافذة فيها تعتقد جازمة بأن موافقة الولايات المتحدة أخيراً على وصول الإسلاميين إلى السلطة، تتضمن في ثناياها موافقة أيضاً على استئثارهم بها من دون قيد أو حد.

التسرُّع

هذه بالطبع قراءة مخطئة، أو على الأقل متسرِّعة. فالغربيون حين قبلوا فكك الأغلال من أيدي الإسلاميين، فعلوا ذلك في إطار لائحة شروط تبدأ من قبول هؤلاء الأخيرين بمبدأ تداول السلطة وعدم "شن الحرب" على المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وتمر (وهنا ربما الأهم) بمرحلة انتقالية خاصة بالإسلاميين داخل المرحلة الانتقالية العامة إلى الديمقراطية، يتم خلالها تفحّص أوراق اعتماد الأخوان ورقة ورقة.
هذه النقطة لم يفهمها على مايبدو بعض قادة الجماعة، في خضم نشوتهم بانتصاراتهم السياسية والانتخابية المدوِّخة، فتحرَّكوا كثور جامح داخل متجر للخزف الصيني، وبدأوا يفكرون جدياً بالسيطرة على كل مفاتيح السلطة: البرلمان، والحكومة، والرئاسة، وصياغة الدستور الجديد.
هنا بدأت الأضواء الحمر تتقاطع في رادارات المؤسسة العسكرية المصرية والمؤسسات الأميركية، في إطار تحليل مشترك لمخاطر التسليم المبكّر لكل مقاليد السلطة إلى جماعة إسلامية غير مختبرة في ممارسة السلطة. ومن رحم هذا التقاطع، وُلِدت على الأرجح الإجراءات الأخيرة للقضاة والجنرالات، والتي أدّت إلى فرملة كاملة للاندفاعة الإخوانية النهمة والجامحة إلى قصور السلطة.

أردوغان وأربكان

هذا التطور يشبه إلى حد بعيد، لابل إلى حد التطابق، ماحدث للرعيل الأول من الإسلاميين الأتراك (أساتذة أرودغان وغل) في أواسط تسعينيات القرن العشرين، حين فاز حزب زعيمهم نجم الدين أربكان بالانتخابات وسُمح له بتشكيل الحكومة. حينها، ظن أربكان هو الأخر أن هذا يعني رضوخ الجيش التركي والجحافل الغربية أخيراً لسيناريو السلطة الإسلامية، فأطلق العنان لأحلامه الإسلامية الكبرى داعياً إلى إدارة الظهر للغرب وتيميم الوجه نحو وحدة إسلامية تبدأ بالاقتصاد وتنتهي بالسياسة. كما تحرّك لبدء محاولة تفكيك الدولة العلمانية الأتاتوركية.
الحصيلة كانت معروفة: تدخّل الجيش التركي (بضوء أخضر أميركي)، وقصف عمر هذه التجربة القصيرة، ولاحق كل قادة الحركات الإسلامية خاصة منهم أردوغان الذي كان محافظ اسطنبول، والذي كان يُفاخر بإيديولوجيه السياسية الإسلامية إلى حد القول:" مآذننا سيوفنا، وقبب مساجدنا دروعنا".

منذ هذا الأنقلاب، أو الثورة المضادة، أو إعادة تكرير وانتاج حكم العسكر في تركيا، بدأت عملية مشتركة بين الجيش والإسلاميين: الأول يعمل على ترويض الإسلاميين داخل قفص السلطة العلمانية التي يُشرف عليها. والأخيرون يعملون على ترويض أنفسهم، عبر القبول بما هو أقل بكثير من طموحات قائدهم أربكان. وفقط حين تُوِّجت عملية الترويض المزدوجة هذه بنجاح، سُمح لـ"الإسلاميين بعد التعديل" بالعودة إلى صفوف السلطة.
مصر تدخل الآن مرحلة الترويض هذه، لكن حتى الآن من طرف واحد: الجيش باتجاه الإخوان. يبقى أن ننتظر لنعرف ما إذا كان الإخوان على استعداد لترويض أنفسهم داخل القفص أم لا. فإذا ماقبلوا، سيكونون على خطى أردوغان، وإذا ما رفضوا سيلقون مصير أربكان.

الخيار الأن في يد الأخوان. لكن قبل أن يختاروا، عليهم أن يدققوا قليلاً بحقيقة الموقف الغربي من مسألة تطوُّر السلطة في الشرق الإسلامي، وأن يدققوا كثيراً بحيثيات وخفايا الانتقال التركي (الإسلامي) إلى السلطة.
ثم: إذا ما توصلوا بعد هذه القراءة المتأنية إلى ضرورة قمع نزواتهم السلطوية المُتسرِّعة، وعادوا إلى مبدأ "المشاركة لا المغالبة" فستكون "المعالم على الطريق" الخاصة بدورهم في صياغة الشرق الأوسط الإسلامي الجديد، أصبحت سالكة وآمنة.  

آخر تحديث: 22 يونيو، 2012 9:45 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>